الخبز السوداني يغزو الموائد المصرية .. الرغيف بـ2 جنيه ويا حلاوته مع "الملوخية" وابتسامة أبو معاذ تنتقل من كردفان للقاهرة

الأحد، 30 نوفمبر 2025 11:49 ص

فرن

فرن

في شارع صغير بمنطقة العمرانية في الجيزة، يقف أبو معاذ، سوداني نازح من الأبيض في كردفان، خلف فرن حديث يعمل بالغاز والكهرباء، يبتسم للزبائن وهو يراقب الخبز السوداني يخرج ساخنًا من الفرن. "رأيت متسولًا يقترب منه ويطلب رغيفًا، فابتسم له وقال خذ ما تشاء"، يقول أبو معاذ بابتسامة دافئة، مشيراً إلى أنه يؤمن بأن نجاح مشروعه يجب أن يكون للناس قبل الربح.

فتح أبو معاذ مخبزه قبل عامين مستهدفًا المصريين، وراهَن على جودة الخبز السوداني وطعمه المختلف. "كنت مؤمنًا بالنجاح وراهنّت على خبزنا السوداني"، يضيف. ويكشف أن الخميرة المستخدمة أغلى وأكثر جودة من تلك المستخدمة في صناعة الخبز المصري التقليدي، ما يجعل رغيفه أكثر سمكًا وحجمًا وإشباعًا.

يؤكد أنه استهدف الزبائن المصريين  وراهن على منافسة الخبز المصري مؤمنا بصنعته وجودتها.

 ويضيف أبو معاذ أنه ينتمي لعائلة عريقة في صناعة الخبز في الأبيض وكردفان: "جدي كان موردًا للخبز في مؤسسات عديدة للدولة، وعائلتنا اشتهرت بصناعة الخبز، لذلك تعلمت المهنة منذ الصغر. أردت أن أُقدّم هذا الإرث في مصر وأثبت أن خبزنا السوداني مختلف ومتميز".

اليوم، أصبح الخبز السوداني جزءًا من موائد المصريين، حيث يؤكد عدد من الزبائن أنهم يفضلونه على الخبز المحلي. تقول فاطمة، مصرية من العمرانية: "أطفالي تعودوا عليه، وأحيانًا أسأل نفسي ماذا سيحدث إذا رحل السودانيون ولم نجده بعد ذلك". ويرى صناع الخبز المصريون في هذا النوع منافسًا قويًا، إذ يتميز بجودة أعلى وسمك أكبر وحجم أكبر، ويُشبع أكثر من الرغيف التقليدي.

الفرن يعمل بالكامل على الغاز والكهرباء، ويشغل عمالة سودانية مدربة على صناعة الخبز، وأبو معاز يطمح في أن يستمر المشروع حتى بعد عودته لكردفان، ويقول: "لا مانع لدي في تدريب العمالة المصرية على طريقة صنع الخبز السوداني، المهم أن يستمر المشروع".

ويُباع الرغيف بسعر 2 جنيه، في خطوة أثارت جدلا بين الزبائن، حيث يباع المصري ب1.5، الذين يثنون على الطعم الغني والجودة العالية. ويستمر أبو معاز في إدهاش المصريين بابتسامته وثقافته العالية، وهو يسعى لأن يكون الخبز ليس مجرد طعام، بل جسرًا بين الثقافات ويومًا سعيدًا لكل من يجربه.

ويستمر الإقبال على الخبز السوداني في التصاعد، ليس فقط لجودته، بل أيضًا للروح التي يضيفها إلى الموائد المصرية. تقول فاطمة، إحدى السيدات من منطقة العمرانية بالجيزة: "أبنائي تعودوا عليه وحبوه جدًا، وأخاف أن يرحل السودانيون ولا نجده بعد ذلك. الخبز أجمل من المصري، بلونه الأبيض النظيف وطعمه وسمكه. يا جماله مع الملوخية!"

وتضيف فاطمة بابتسامة مزجها الحنين والدهشة: "حتى أنا بدأت أفضله على الخبز المصري، أشعر بأن هناك فرقًا في القوام والنكهة، يجعل كل وجبة أكثر متعة وإشباعًا."

ولا يقتصر الأمر على فاطمة، فالكثير من المصريين الذين جربوا الرغيف السوداني عبر المخبز الذي يديره أبو معاز، يؤكدون أنهم يشعرون بالفرق فور تجربتهم له. البعض يراه منافسًا قويًا للخبز المصري التقليدي، لما يتمتع به من سمك أكبر وحجم أفضل وإحساس بالشبع يدوم أطول.

ومع ذلك، يبقى العامل الإنساني في القصة هو ما يترك أثره الأكبر على الزبائن: الابتسامة المتسامحة لأبو معاز، وروحه الطيبة، ورغبته في أن يستفيد الجميع من خبرته، حتى بعد عودته إلى السودان، من خلال تدريب العمالة المصرية على صناعة الخبز السوداني بطريقة تحافظ على الجودة والنكهة الأصيلة.

بهذا الجمع بين الطعم الفريد والروح الإنسانية، استطاع الخبز السوداني أن يخلق جسرًا بين الثقافات، ويصبح جزءًا من الحياة اليومية للمصريين، الذين باتوا يشهدون على نجاح مشروع صغير يحمله مهاجر سوداني إلى قلوبهم ومائدتهم.

ويرى خبراء التغذية أن الخبز السوداني يتفوق على الفينو التقليدي من حيث الفائدة الصحية، لأنه لا يحتوي إلا على الدقيق والماء والخميرة، دون إضافات صناعية أو دهون، ما يجعله خيارًا طبيعيًا وصحيًا أكثر للأطفال والكبار على حد سواء.

مع ذلك، يشير الخبراء إلى أن الخبز المصري الأسمر يبقى متفوقًا على السوداني من ناحية الألياف، لاحتوائه على الردة المفيدة، ما يساهم في تحسين عملية الهضم وتعزيز الشبع لفترات أطول. وبالتالي، يرى البعض أن الخبز السوداني يقدم طعمًا رائعًا وجودة عالية، بينما الخبز الأسمر المصري يضيف قيمة غذائية إضافية للوجبات اليومية.

وبذلك، أصبح الرغيف السوداني ليس مجرد بديل للخبز المصري، بل خيارًا جديدًا يجمع بين الطعم الممتع والبساطة في المكونات، ما يفسر سبب حبه المتزايد بين المصريين الذين يبحثون عن جودة عالية وطعم مختلف على موائدهم.

ويؤكد مشروع أبو معاذ أن السودانيين قادرون على النجاح والإبداع، وأنهم بعيدون عن الصورة النمطية التي تصورهم كسالى أو عبئًا على المجتمع بعد النزوح أو اللجوء نتيجة الحرب. يقول أحد الزبائن: "مشاهدتنا لأبو معاذ وطاقمه وهم يعملون بجد وإتقان في المخبز تفضح كل الشائعات عن الكسل. نحن نرى مثالًا حيًا على القدرة على النجاح والإصرار على تقديم الأفضل."

ويضيف خبراء اجتماعيون أن تجربة السودانيين في مصر، خصوصًا في مجالات مثل صناعة الخبز، تظهر أنهم قادرون على المساهمة الفاعلة في الاقتصاد المحلي، وتقديم مهارات وخبرات تثري المجتمع. وبالمقابل، يتعلم المجتمع المصري منهم الصبر والعمل الجاد والانضباط، ما يحطم أي صورة سلبية مسبقة عن اللاجئين أو النازحين.

ويقول أبو معاذ بنفسه: "نحن هنا لنقدم أفضل ما لدينا، ليس مجرد خبز، بل مثال على الثقافة والعمل الجاد، ونأمل أن يستمر المشروع حتى بعد عودتي لكردفان، مع تدريب العمالة المصرية على طريقة صناعة الخبز السوداني."

بهذا، يتحول مشروعه من مجرد فرن صغير إلى قصة نجاح إنسانية واجتماعية، تؤكد أن السودانيين لا يشكلون عبئًا بعد النزوح، بل يمكنهم إثراء المجتمع المصري بالمهارات والثقافة والالتزام بالجودة.

search