رشان أوشي تكتب: لماذا تخشى شبكات المصالح الإنذار المسبق الجمركي؟
الأربعاء، 17 ديسمبر 2025 12:56 م
الكاتبة الصحفية رشان أوشي
بعد 15 أبريل، وفي ظل انهيار الرقابة، وتفكك المعايير، واتساع المساحات الرمادية، وجدت شبكات المصالح بيئة مثالية لإعادة إنتاج نفوذها تحت غطاء الضرورة والاستثناء، فتحولت إلى ثقوب سوداء تبتلع المال العام. وفي هذا السياق، أصبحت "هيئة الجمارك السودانية" في حالة حرب مفتوحة مع تآكل الإيرادات، وتنامي الفوضى المقنّعة.
وفي سبيل إنهاء حقبة الفوضى، اتجهت الدولة إلى تطبيق نظم تقنية تهدف، في المقام الأول، إلى مكافحة الفساد، ومن هذا المنظور، يبرز نظام الإنذار المسبق الجمركي كقرار سياسي–اقتصادي يعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمال، ويضع حداً لاقتصاد الاختراق الذي عاش طويلاً على غياب الرؤية والاستباق.
هذا النظام ينقل "الجمارك" من وضعية ردّ الفعل إلى موقف الاستباق، ويحول الموانئ من نقاط اختراق إلى خطوط دفاع اقتصادي، عبر تحليل المخاطر قبل وصول الشحنات، وحماية الإيرادات العامة من التلاعب المنهجي الذي رافق سنوات الانهيار والحرب.
ويستهدف "الإنذار المسبق" جوهر الفساد الإداري، إذ يسحب القرار من التقدير الفردي ويعيده إلى المعيار المؤسسي القائم على البيانات والتحليل. وبهذا، يغلق المساحات الرمادية التي ازدهرت فيها شبكات التلاعب بالقيمة والتوصيف وبلد المنشأ، ويضبط إيقاع العمل الجمركي وفق قواعد موحدة، تقلص الاحتكاك البشري، وتربط كل إجراء بسجل قابل للتتبع والمساءلة، ما يعني عملياً تحجيم الفساد بدل الاكتفاء بملاحقته بعد وقوعه.
غير أن هذا التحول لم يمر دون مقاومة. فبعض كبار المستوردين، ورجال الأعمال المرتبطين بأنشطة غسيل الأموال والاقتصاد الطفيلي، وجدوا في النظام تهديداً مباشراً لمصالح راكموا بها ثرواتهم على حساب الدولة، وفي كثير من الأحيان على أنقاض معاناة النازحين، وانهيار الإيرادات العامة.
وتشير معلومات متطابقة إلى محاولات ضغط مورست على مستويات قيادية للتراجع عن تطبيق النظام، في معركة صامتة بين الدولة وشبكات غسيل الأموال التي اعتادت العمل في الظل، واستثمرت طويلاً في هشاشة الرقابة وضعف المحاسبة.
وفي خضم هذه الضغوط، أُثير جدل واسع حول الجهة المنفذة لمشروع الإنذار المسبق.
في العام 2023، كانت شركة بلجيكية قد حصلت رسمياً على امتياز تنفيذ المشروع، وقطعت اللجان المختصة شوطاً متقدماً في إعداد العقد النهائي، قبل أن تتوقف الإجراءات بشكل مفاجئ، لتتفاجأ الشركة لاحقاً بتنفيذ المشروع عبر شركة أخرى.
مصادر موثوقة بوزارة المالية وهيئة الجمارك أكدت أن الإجراءات اللاحقة تمت وفق الأطر القانونية، وبعد دراسة العروض المقدمة وقدرات الشركات، حيث تبيّن أن عرض شركة "بريطانية" كان الأفضل فنياً وتشغيلياً، باعتبارها نفذت النظام في (21) دولة أفريقية. كما أوفدت لجنة مختصة، مكوّنة من هيئة الجمارك ووزارة المالية والأمن الاقتصادي، في زيارة رسمية إلى دولة أفريقية للاطلاع على التجربة ميدانياً.
وتؤكد العقود والمستندات التي اطلعنا عليها أن الشركة المنفذة "بريطانية" وليست "إماراتية"، وأنها حصلت على امتياز التنفيذ بعد استيفاء كافة الشروط الفنية والقانونية المطلوبة.
إن معركة تطبيق نظام الإنذار المسبق الجمركي ليست خلافاً حول شركة أو عقد، بل صراع مكشوف حول من يملك مفاتيح الاقتصاد: الدولة أم شبكات المصالح. كما تمثل إعلاناً صريحاً بأن الدولة قررت استعادة سيادتها المالية، وقطع الطريق أمام اقتصاد الفساد الذي نما في العتمة. وعند منافذ الجمارك تُختبر جدية الإصلاح؛ فهناك فقط، إما أن تنتصر الدولة، أو يُترك الباب مفتوحاً لمزيد من نزيف المال العام.
نسخ الرابط للمقال
آخبار تهمك
مركز الفضاء العالمي للثقافة والإعلام يحتفي بإرث الفنان الراحل محمد ميرغني
04 أكتوبر 2026 07:52 م
الطيب عبد الماجد يرفع راية السودان.. تتويج عربي جديد بأفضل برنامج اقتصادي
20 سبتمبر 2026 09:35 ص
العيلفون تفتح أبواب التمكين.. ملتقى المرأة المنتجة يدعم مشروعات نساء شرق النيل
20 سبتمبر 2026 09:22 ص
«أون سودان» تكشف حقيقة عقد قران الفنانة مكارم بشير
14 سبتمبر 2026 03:55 م
في ختام ورشة واقع الصحفيين في السودان.. عبدالماجد عبد الحميد يدعو لحماية أخلاقيات المهنة
27 أغسطس 2026 02:41 م
الأكثر قراءة
-
اكتمال تركيب 202 كاميرا مراقبة لتعزيز الأمن ومكافحة الجريمة بالخرطوم
-
تحت شعار "تعلم المهارات التقنية .. اصنع مستقبلك" .. الكشافة السودانية تختتم كورس الأردوينو وصناعة الروبوت
-
إشادة عربية بتعافي خدمات نقل الدم في السودان.. «عمل عظيم» رغم تداعيات الحرب
-
شركات بترولية وطنية تدفع بمذكرة لمجلس السيادة تطالب بمراجعة ضوابط استيراد الوقود وإنهاء الاحتكار
-
البرهان يؤكد مواصلة الحسم العسكري ويشيد بدعم أهالي أمري للقوات المسلحة
أكثر الكلمات انتشاراً