الشرق… مرآة الدولة وامتحانها
السبت، 03 يناير 2026 01:57 م
رشان اوشي
رشان اوشي
استمعتُ إلى خطاب رئيس حركة تحرير شرق السودان، إبراهيم دنيا، ذلك الخطاب الذي أُثيرت حوله ضجة كثيفة. بحثت في ثناياه عن أسباب هذا الهجوم الصاخب، فلم أجد سوى كلمات هادئة، موزونة، قيلت بلغة أخلاقية رصينة، وتطرح مطالب مستحقة لأهل طالهم النسيان.
بدا الرجل وكأنه يذكر السلطة المركزية بما تفضل غالباً تجاهله: أن الأزمات التاريخية لا يمكن حلها بالتخوين، بل بالاعتراف والإنصات.
إن النهوض من ركام الأزمات البنيوية التي أورثت البلاد مسارات الهلاك، وفتحت شقوق السيادة أمام مطامع الخارج، لا يتم عبر القفز على الحقائق أو شيطنة المطالب، بل عبر نقاش عام عقلاني وشفاف، يستدعي أدوات التحليل الاجتماعي والسياسي، ويضع مظالم الأقاليم في لب المعادلة الوطنية.
تجاهل المطالب الحقيقية لا يلغيها، بل يعمقها، ويعيد إنتاجها في أشكال أكثر حدّة.
في العام 2022، قُدر لي أن أتجول في ولايات الشرق، من أقصاها إلى أدناها، لتسجيل حلقات برنامج "وعد وأمنيات"، الذي كان يُبث في شهر رمضان على شاشة قناة البلد. هناك، لمستُ مأساة شعب عظيم، تعرض لحرمان بيّن من حقوقه المدنية الأساسية، وتُرك فريسة للأمية، والعصبيات، وغياب الخدمات.
أيّ مفارقة قاسية تلك التي تجعل مدينة بورتسودان، التي قامت على مشروع استراتيجي بحجم الموانئ، تعاني شُح مياه الشرب وانقطاع الكهرباء؟.
في دلتا طوكر، وقفت على أطلال مشروع زراعي عظيم بدأ إنتاجه التجاري عام 1867م؛ مشروع كان يمكن أن يكون رافعة تنموية للأجيال السودانية، فإذا به اليوم محاصر بأشجار المسكيت التي غطّت نحو نصف مساحته، بعد أن كان يزرع القطن كمحصول استراتيجي. أرض رسوبية غنية بالطمي، من أخصب أراضي الإقليم، لكنها أُهملت حتى تعطلت منظومات الري، وتهالكت الآليات، وغابت الرؤية.
هذا ليس خطاب مظلومية عاطفي، بل توصيف لفشل حقيقي في السياسات العامة، واختلال في توزيع الموارد، وغياب للتخطيط التنموي المستدام. وبالطبع، لا تتحمّل الحكومة الانتقالية وحدها هذا الوزر، غير أن مسؤوليتها تظل قائمة في ضرورة إحياء هذه المشاريع وإعادة الاعتبار لها.
أما الطرق البرية التي تصل أجزاء الإقليم، باستثناء طريق (بورتسودان – عطبرة)، لم تتم صيانتها منذ أعوام طويلة. بنية تحتية متداعية، وخدمات شحيحة، واقتصاد محلي مُنهك؛ هذه حقائق تنموية لا ينكرها إلا مكابر. ومن واجب الصحافة، بوصفها سلطة رقابية معرفية، ومن واجب الرأي العام، بوصفه ضمير جمعي أن يساندا أهل الشرق في نيل حقوقهم كمواطنين سودانيين، لا كرعايا مؤجلين.
المقلق حقاً هو محاولة بعض الدوائر تجريم أي مطلب حقيقي، وقراءته آلياً بوصفه مشروع تمرّد جديد. هذا الخلط المفاهيمي لا يحل الأزمة، بل يفاقمها. فالدعم السريع، على سبيل المثال، لم يكن حركة مطلبية أصيلة، بل أداة توظيف خارجي، استثمر خطاب المظلومية لحشد الأنصار، ثم انقلب على الدولة والمجتمع معاً.
التمييز بين المطالب الاجتماعية المشروعة وبين العنف المُسيّس ضرورة أخلاقية وسياسية.
إبراهيم دنيا لم يأتِ شيئاً فرياً ولم يخترع سردية من فراغ، إنما عبّر عن مطالب شعبية متراكمة، لها جذور تاريخية واضحة. وبدل مهاجمته، أو الذهاب إلى خيارات عبثية كنزع وطنيته وهو صاحب حق فيها أصالة وامتداد تاريخي.الأجدر بالدولة أن تلتقط الإشارة، وأن تعيد توجيه بوصلتها نحو الاستجابة لمطالب الخدمات والتنمية المتوازنة.
قوة الدولة ليست في قدرتها على إسكات الأصوات، بل في قدرتها على تحويل الشكوى إلى سياسة عامة، والاحتجاج إلى برنامج إصلاح. والشرق، في نهاية المطاف، ليس هامش جغرافي، بل مرآة تعكس عمق الأزمة الوطنية، وبوصلة يمكن إن أحسنا قراءتها، أن تدلّنا على طريق الخروج من التيه.
محبتي واحترامي.
نسخ الرابط للمقال
آخبار تهمك
قدم الأن.. المجر تقدم منح دراسية للطلاب السودانيين لمنح البكالوريوس
06 يناير 2026 10:37 ص
خبيرة التوقعات ليلى عبد اللطيف: (خلي بالك ياحميدتي في خطر كبير جاييك)
03 يناير 2026 02:00 م
جدل حول انفصال إيمان الشريف عن زوجها إيهاب شيكو بعد عام من التكتّم
02 يناير 2026 03:37 م
جوائز بـ30 ألف دولار.. مهرجان الخرطوم لسينما الموبايل يستقطب 600 مشاركة دولية
01 يناير 2026 08:36 م
اختيار رشان أوشي أفضل صحافية لعام 2025
01 يناير 2026 11:49 ص
رشان أوشي تكشف عن تلاعب شركة زين السودان بأرقام هواتف العملاء
31 ديسمبر 2025 03:24 م
الأكثر قراءة
-
سجن التربوي السوداني أبو ذر الكودة 3 سنوات لإحالته طلابًا سودانيين للاحتيال في مصر
-
من مدرجات الجامعة إلى لهيب الأقاشي.. قصة خريج شندي الذي هزم البطالة في الشارع
-
بأسماء نسائية.. الكشف عن 3 آلاف حساب وهمي تجمّل وجه الميليشيا للعالم
-
غرق ابنتي نجم كرة قدم في نهر النيل
-
السفارة السودانية بالرياض تصدر تحذيراً لأبناء الجالية
أكثر الكلمات انتشاراً