مطار بورتسودان .. هدر بلا حدود
الخميس، 08 يناير 2026 10:42 ص
رشان اوشي
رشان اوشي
إذا كانت الدولة جادة حقاً في ترسيخ الشفافية ومحاربة الفساد، فإن ملف تأهيل "مطار بورتسودان الدولي" يقف في مقدمة الملفات التي تستوجب تحقيقاً عاجلاً، ليس لأنه مرفق خدمي حيوي واستراتيجي فحسب، بل لأنه مرآة فاضحة، تكشف عن كيف تُهدر الموارد العامة اثناء المعركة الوطنية.
في سبتمبر الماضي، وللمرة الأولى منذ اندلاع حرب 15/ أبريل، غادرت السودان متجهة إلى القاهرة للاطمئنان على صحة والدي بعد خضوعه لعدة عمليات جراحية. نصحني الزملاء بالسفر عبر صالة ال(VIP) التجارية، هرباً من الازدحام وتيسيراً للإجراءات. رفضت. لم يكن ذلك مثالية مني، بل رغبة واعية في أن أرى المطار كما يراه المواطن العادي، بلا وسائط ولا امتيازات.
ما رأيته كان صادماً حد القسوة. فوضى مكتملة الأركان أمام الصالة الخارجية، فناء متسخ، ومسافرون يفترشون الأرض كما لو أنهم في "سوق شعبي".
الداخل لم يكن أفضل حالاً: صالات ضيقة، تكدس بشري خانق، درجات حرارة مرتفعة، وتكييف مركزي متعطل يحوّل المكان إلى حجرة اختناق جماعي. دورات المياه طافحة، ومشاهد لا تمت بصلة إلى كرامة الإنسان، ولا إلى صورة السودان التي نعرفها أو نريدها.
عند عودتي، لم أتعامل مع المشهد باعتباره تجربة شخصية قاسية، بل بوصفه مؤشر يستدعي البحث الصحفي. أجريت تحقيق استقصائي، وتوصلت إلى معلومات موثقة تكشف واحدة من أبشع جرائم الفساد منذ اندلاع الحرب. ملايين الدولارات صُرفت تحت بند صيانة وتأهيل مطار بورتسودان. شركات مؤهلة، ذات خبرة ومعايير فنية معروفة، جرى تجاوزها، ليُفتح الباب أمام شركات تفتقر للكفاءة ولا تستوفي أبسط الشروط المهنية. وكانت النتيجة متوقعة: هدر للموارد، ومنشأة لا تؤدي الغرض الذي أُنفقت من أجله أموال دافع الضريبة.
الأمر لا يتعلق بسوء التنفيذ فقط، بل بمنظومة خلل مؤسسي. فعندما تغيب الرقابة، تُنفذ المشروعات الحكومية بعقلية الغنيمة لا بعقل التخطيط. في علم الإدارة العامة، يُعرف هذا النموذج بالفساد البنيوي، عندما تصبح التجاوزات جزء من آلية العمل نفسها، لا استثناء.
المثير للقلق، خبر رسمي صدر مؤخراً عن مجلس السيادة، يتحدث عن خطة جديدة لصيانة وتأهيل مطار بورتسودان، مع الإشارة إلى أن أعمال الصيانة السابقة تمت بعد اندلاع الحرب. معنى ذلك، ببساطة، أننا أمام بند جديد لصرف ملايين الدولارات مرة أخرى، دون محاسبة حقيقية عمّا صُرف سابقاً، ودون تقييم علمي ومؤسسي للنتائج. إنها، للأسف، فرصة ذهبية أخرى لتبديد المال العام.
إن أخطر ما في هذا الملف ليس ما ضاع من أموال، بل ما يتبدد من معنى الدولة ذاتها. فعندما تغيب المحاسبة، يتحول الإنفاق إلى طقس عبثي، وتغدو المشروعات العامة أدوات لإعادة تدوير الفساد لا لخدمة الناس. مطار بورتسودان، في هذه اللحظة، اختبار لقدرة الدولة على مراجعة نفسها، فإما أن يُفتح الملف أمام الحقيقة، أو يُغلق كما أُغلقت صالاته على الاختناق. وبين الخيارين، يتحدد إن كان ما نعيشه اوضاع عارضة فرضتها الحرب… أم نمط مستقر في إدارة ما تبقى من الوطن.
محبتي واحترامي
نسخ الرابط للمقال
آخبار تهمك
جمهور النصري يشعل "السوشيال ميديا" غضباً على شاعرة أغنية ( محيتك) فما القصة؟
10 أكتوبر 2026 10:09 ص
مركز الفضاء العالمي للثقافة والإعلام يحتفي بإرث الفنان الراحل محمد ميرغني
04 أكتوبر 2026 07:52 م
الطيب عبد الماجد يرفع راية السودان.. تتويج عربي جديد بأفضل برنامج اقتصادي
20 سبتمبر 2026 09:35 ص
العيلفون تفتح أبواب التمكين.. ملتقى المرأة المنتجة يدعم مشروعات نساء شرق النيل
20 سبتمبر 2026 09:22 ص
«أون سودان» تكشف حقيقة عقد قران الفنانة مكارم بشير
14 سبتمبر 2026 03:55 م
الأكثر قراءة
-
غارات بمسيّرات للجيش السوداني تستهدف مواقع للميليشيا في النيل الأزرق
-
وزارة الزراعة الاتحادية تدعم سنار بـ28 ألف لتر مبيد"كويلي" لمكافحة طائر الزرزور
-
بعد مهلة الـ 45 يوماً.. السودان: توجيه حكومي ينهي حظر إجازات العاملين بالدولة
-
مجلس تنسيق التآخي الاجتماعي يبشر بوثيقة لتعزيز الوحدة الوطنية والتعايش السلمي
-
نحو شراكة مستدامة مع المنظمات الوطنية والدولية للقضاء على الملاريا
أكثر الكلمات انتشاراً