الخرطوم والعودة إلى سؤال الدولة!
الإثنين، 12 يناير 2026 01:00 م
رشان أوشي
رشان أوشي
عادت الخرطوم مرة أخرى بوصفها عاصمة إدارية، ودشَّن رئيس الوزراء وحكومته أعمالهم من قلب المدينة. هذا الحدث، في جوهره، نقلة سياسية عميقة داخل سياق الحرب نفسها. فالعودة إلى الخرطوم ليست مجرد انتقال جغرافي لمكاتب الدولة، بل إعلان واضح عن هزيمة مشروع التدمير، وصفعة مباشرة في وجه المليشيا التي راهنت على الفراغ وانهيار المركز.
في علم السياسة، تعني استعادة العاصمة استعادة الرمز السيادي؛ فالعواصم ليست مدن فقط، بل تمثل مركز القرار، وذاكرة الدولة، وشرعية السلطة. ولهذا، فإن وجود الحكومة في الخرطوم يحمل رسالة تتجاوز الداخل إلى الإقليم والعالم، مفادها أن الدولة السودانية ما زالت قائمة، وقادرة على استعادة وظائفها الأساسية.
سيجد رئيس الوزراء أن الخدمات قد عادت بنسبة كبيرة، وأن البنية التحتية، رغم ما أصابها، استعادت جزء كبير من كفاءتها. ومع وصول شحنة محولات الكهرباء الأخيرة، قد تكتمل إنارة العاصمة قبل شهر رمضان، إلى جانب تحسن خدمات المياه، الصحة، والتعليم. غير أن هذا كله ليس انجاز استثنائي، بل واجب بديهي. فالإنجاز الحقيقي ليس في توفير الأساسيات، بل في إمكانية إحداث تحول في طريقة إدارة الدولة نفسها.
ما ينتظره السودانيون من حكومة الدكتور كامل إدريس في الخرطوم ليس مجرد تشغيل المؤسسات، بل تغيير منهجية الحكم نفسها. فالحرب لم تكن عسكرية فقط، بل كشفت هشاشة الدولة، وعمق الاختلالات البنيوية في الإدارة والاقتصاد والرقابة. ومن هنا، فإن إعادة تأسيس الدولة يجب أن تنطلق من الاعتراف بـ"فاتورة الحرب" التي دفعها المواطن، لا بالاكتفاء بترميم ما تهدم.
أولى إشارات الاختلال التي يجب الوقوف عندها، سيدي رئيس الوزراء، كانت رمزية لكنها كاشفة: غياب الناقل الوطني "سودانير"، واضطراركم لاستخدام طائرة تتبع لشركة تجارية.
في الأدبيات الاقتصادية والسياسية، يعد هذا السلوك جزء من الترويج التجاري غير المباشر، وهو أمر لا يليق بدولة تحاول استعادة هيبتها. وأنت القادم من أوروبا، تدرك أن هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع صورة الدولة. هذا المشهد وحده يستوجب فتح تحقيق عاجل حول اختفاء طائرة "سودانير" الوحيدة التي كانت تعمل خلال الفترة الماضية، لأن محاربة الفساد تبدأ دائماً من المسكوت عنه.
إن تهيئة البيئة، وعودة الخدمات، وتهيئة المناخ لعودة المواطنين خطوات مهمة، لكنها تظل في مرتبة الوسائل لا الغايات. فالقضية الجوهرية هي إعادة تعريف الدولة وفق الشروط التي فرضتها الحرب الوجودية: دولة أكثر صلابة، أقل فساداً، وأكثر ارتباطاً بمصالح مواطنيها، دولة لا تعيد إنتاج أزماتها القديمة تحت لافتات جديدة.
عودة الحكومة التنفيذية إلى الخرطوم تفتح أيضاً سؤالاً سياسياً مهماً .. هل أصبحت بورتسودان مركز القرار السياسي والسيادي ، بينما تكتفي الخرطوم بدور العاصمة الإدارية؟ سؤال مشروع في لحظة إعادة تشكيل السلطة، وسنعود إليه في مقال قادم بإذن الله.
محبتي واحترامي
https://www.facebook.com/share/174Dbmgac9/
نسخ الرابط للمقال
آخبار تهمك
مركز الفضاء العالمي للثقافة والإعلام يحتفي بإرث الفنان الراحل محمد ميرغني
04 أكتوبر 2026 07:52 م
الطيب عبد الماجد يرفع راية السودان.. تتويج عربي جديد بأفضل برنامج اقتصادي
20 سبتمبر 2026 09:35 ص
العيلفون تفتح أبواب التمكين.. ملتقى المرأة المنتجة يدعم مشروعات نساء شرق النيل
20 سبتمبر 2026 09:22 ص
«أون سودان» تكشف حقيقة عقد قران الفنانة مكارم بشير
14 سبتمبر 2026 03:55 م
في ختام ورشة واقع الصحفيين في السودان.. عبدالماجد عبد الحميد يدعو لحماية أخلاقيات المهنة
27 أغسطس 2026 02:41 م
الأكثر قراءة
-
اكتمال تركيب 202 كاميرا مراقبة لتعزيز الأمن ومكافحة الجريمة بالخرطوم
-
شركات بترولية وطنية تدفع بمذكرة لمجلس السيادة تطالب بمراجعة ضوابط استيراد الوقود وإنهاء الاحتكار
-
تحت شعار "تعلم المهارات التقنية .. اصنع مستقبلك" .. الكشافة السودانية تختتم كورس الأردوينو وصناعة الروبوت
-
إشادة عربية بتعافي خدمات نقل الدم في السودان.. «عمل عظيم» رغم تداعيات الحرب
-
البرهان يؤكد مواصلة الحسم العسكري ويشيد بدعم أهالي أمري للقوات المسلحة
أكثر الكلمات انتشاراً