السودان في مرآة ليبيا واليمن والصومال مؤامرة أم تشابه للخرائط؟
الخميس، 15 يناير 2026 02:51 م
د. حسين عمر عثمان
د. حسين عمر عثمان
بعد ثلاثة أعوام من الحرب المدمرة في السودان، لم تعد المأساة مجرّد صراع داخلي على السلطة أو نتيجة إخفاقات بنيوية في إدارة الدولة، بل غدت مرآة كاشفة لمشروع أوسع يستهدف تفكيك الإقليم بأكمله عبر نشر الفوضى وإضعاف الدول الوطنية.
فقد كشفت التجربة السودانية، بوضوح، أن ما يجري ليس حدثًا معزولًا، بل حلقة ضمن سلسلة ممتدة تشمل الصومال واليمن وليبيا، وربما دولًا أخرى، جرى تفكيكها وفق السيناريو ذاته: تفجير الداخل، عسكرة المجتمع، وتدويل الصراع.
وفي هذا الإطار، لا يمكن إنكار أن للحرب في السودان جذورًا داخلية وفّرت البيئة والأدوات لانفجارها، إذ اندلعت نتيجة صراع مباشر بين الجيش وقوات الدعم السريع، تفجّر بسبب الخلاف حول دمج القوات وترتيبات المرحلة الانتقالية بعد سقوط نظام البشير، غير أن هذا الصراع لم يكن معزولًا عن جذور لازمة، بل تراكم عبر عقود من الحكم العسكري الإقصائي، وتفكيك مؤسسات الدولة، وبناء مليشيات موازية، وغياب مشروع وطني جامع، فضلًا عن الانهيار الاقتصادي والفساد وتفاقم المظالم التاريخية في الأقاليم المهمشة، والتدخلات الإقليمية والدولية التي وفّرت جميعها بيئة هشّة انفجرت فيها المواجهة المسلحة لتتحول من نزاع داخلي إلى حرب مدمرة تهدد وحدة السودان ومستقبله.
لقد اعتادت القوى السياسية، خلال السنوات الماضية، قراءة الأزمة بمنظار داخلي يختزلها في صراع بين مكونات عسكرية، أو في إخفاقات المرحلة الانتقالية، أو في تنازع بين المدنيين والعسكر، غير أن تطور الأحداث وتشابه السيناريوهات في دول الإقليم يفرضان اليوم قراءة أعمق مفادها أننا أمام مشروع ممنهج لضرب الدول المركزية في المنطقة وتحويلها إلى كيانات هشة تخضع لمنطق المليشيات والوصاية الخارجية، وهو ما تؤكده تجارب الصومال منذ التسعينيات، وليبيا عقب إسقاط نظام القذافي، واليمن الذي يعيش حربًا مفتوحة وتدخلات متعددة، حيث تتشابه الأدوات والنتائج من انهيار مؤسسات الدولة، وتعدد مراكز القوة المسلحة، وتآكل السيادة الوطنية، وتكثيف التدخلات الإقليمية والدولية تحت عناوين إنسانية أو أمنية، وتحويل الدول إلى ساحات لتصفية الحسابات، والسودان اليوم يسير على الطريق ذاته إن لم تُكسر هذه الحلقة المدمرة. ولم تعد الحروب الحديثة تُدار بالجيوش النظامية وحدها، بل عبر الوكلاء المحليين ورعاية المليشيات وبناء اقتصاد حربي قائم على نهب الموارد في الظلام لتمويل الحروب، وإعادة تشكيل الهويات، وإشعال الصراعات الأهلية والانقسامات المجتمعية، إذ لم يعد الهدف إسقاط نظام سياسي فحسب، بل تفكيك فكرة الدولة ذاتها، وتحويلها إلى فراغ سياسي تملؤه المليشيات وشبكات المصالح. وهو ما يجعل الحرب في السودان جزءًا من مشروع أكبر يعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، تتعدد أبعاده بين نهب ثروات السودان، وتصفية حسابات إقليمية ودولية، وإدارة مواجهات غير مباشرة على الأرض السودانية عبر خلق بؤر صراع قابلة للانفجار في المستقبل، وتكمن خطورة هذا المشروع في أنه يعمل بصمت مستفيدًا من الانقسامات الداخلية وضعف الوعي الوطني، مما يُفقد النخب القدرة على رؤية الصورة الكلية. وفي هذا المنعطف التاريخي، فإن إعادة قراءة المشهد تقتضي الاعتراف بحقائق مؤلمة، منها أن الانقسام السياسي أسهم في فتح الباب للتدخلات الخارجية، وأن الرهان على الخارج لم يجلب سوى مزيد من الوصاية والتمزق، وأن شيطنة الخصوم الداخليين كانت مدخلًا لتبرير العنف والفوضى، وأن غياب المشروع الوطني الجامع وسوء الإدارة، إلى جانب أسباب أخرى، سهّل اختراق الدولة.
الأمر الذي يستوجب تحولًا جذريًا في التفكير السياسي يقوم على إعادة الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها الإطار الجامع لكل السودانيين. وخلاصة القول إن الحرب في السودان كشفت ما هو أبعد من أزمة داخلية، فقد كشفت خيوط لعبة إقليمية كبرى تستهدف تفكيك الدول وتحويلها إلى ساحات فوضى، وما لم تدرك القوى السياسية السودانية طبيعة هذا المشروع وتعيد تموضعها وفق رؤية وطنية شاملة، فإن السودان لن يكون الاستثناء بل النموذج التالي في سلسلة الدول المنهارة.
واليوم لم يعد السؤال من يحكم السودان، بل هل سيبقى السودان دولة؟ والإجابة مرهونة بقدرة النخبة السياسية على الارتقاء فوق الحسابات الضيقة والاصطفاف خلف مشروع وطني يعيد الاعتبار للدولة إلى وضعها الطبيعي.
نسخ الرابط للمقال
آخبار تهمك
«جيش واحد.. شعب واحد».. مركز" وعي" الثقافي يحتفل بالذكرى الـ72 لعيد الجيش
09 أغسطس 2026 02:50 م
حراك متسارع لإحياء مؤسسات الإعلام والثقافة.. والتلفزيون أولى محطات التأهيل
06 أغسطس 2026 09:55 ص
الفنان أحمد الصادق يعود إلى المسرح وسط غموض بشأن حالته الصحية
04 أغسطس 2026 03:35 م
وفاة الإعلامي زهير هاشم في حادث مروري بطريق بارا أثناء تغطية ميدانية
01 أغسطس 2026 06:22 م
موسى هلال يطالب بسحب الجنسية من حميدتي وشقيقه ويهاجم الدعم السريع
29 يوليو 2026 12:50 م
الأكثر قراءة
-
سدن العوام.. من مقاعد «الأبيضاب بنات» إلى المركز الثاني بولاية نهر النيل: التفوق يُصنع بالإصرار ولا تهزمه الظروف
-
هاجر سليمان.. (سامى الرشيد) .. هل من عودة تانى ؟
-
وزارة المالية السودانية تعلن تحسن الإيرادات خلال النصف الأول من 2026 دون زيادة الضرائب
-
القضارف تدشن مركز الاتصال الموحد للاستشارات الطبية لتعزيز صحة الأمهات
-
ترحيل 69 أجنبيًا من الخرطوم ومواصلة حملات ضبط الإقامة غير الشرعية
أكثر الكلمات انتشاراً