من قسوة الغياب إلى حضن السودان: تجوا بالعافية

السبت، 24 يناير 2026 05:16 م

 د. حسين عمر عثمان

د. حسين عمر عثمان

ليست العودة إلى العاصمة مجرّد رحلة في المكان، بل هي عودة للروح، إلى حيث تتشكل الهوية السودانية في أنقى صورها.

 هي الرجوع إلى الوطن بعد المآسي والحرب، بعد أن هُجِّرنا ونُزِّحنا قسرًا. إنها لحظة من أصعب لحظات العمر، حين يُفارق الإنسان بيته وداره ووطنه قهرًا، وأكبر درس تعلمناه هو إدراك القيمة الحقيقية للوطن.كل من اقترب من السودان، ومن أم درمان، يعرف أن القلب يسبق الجسد، وأن الحنين يمشي أمامنا كدليل لا يضل. أم درمان ليست مدينة عادية، إنها ذاكرة وطن. 

فيها صدح الفنان إبراهيم عوض: (متين العودة لأمدرمان)، فصارت الأغنية نشيد حنين لكل من باعدته الظروف عن أرضه وقهرته الأيام. وهناك رفع الفنان حسن خليفة العطبراوي راية الكبرياء: (يا وطني العزيز يا أول آخر)، فصار الصوتُ التزامًا وطنيًا لا يُنقَض . وحين تمتد الرحلة إلى الخرطوم، فإنها ليست عبور جسر إلى مدينة، بل دخولًا إلى قلب السودان النابض. الخرطوم ليست عاصمة سياسية فحسب، بل وجدان مفتوح، وملتقى الوجوه والجهات والجغرافيات، وهي مرآة السودان بكل تنوعه. فيها تلتقي الطرق كما تلتقي القلوب.

 وعند مقرن النيلين تقف الروح بخشوع؛ هناك حيث الأزرق والأبيض يذوبان في بعضهما، في مشهد يشبه السودان نفسه: تنوّع يصنع قوة. مقرن النيلين ليس مجرد ظاهرة جغرافية، بل رمز وجودي يعلّمنا أن المصير واحد. في تلك البقعة يشعر المرء أن التاريخ يمر فوقه وتحت قدميه. كم من حلم وُلد هنا؟ وكم من دعاء صعد إلى السماء؟ وكم من وداع ولقاء شهده هذا المكان؟وعندما نقول (راجعين)، فنحن لا نعني عودة الأجساد، بل عودة الوطن نفسه. نعود إلى أم درمان والخرطوم وبحري ونحن نحمل جراح السودان، لكننا نحمل معها إرادة النهوض والبناء. نعود لنرمم ما تهدم، ونسترد ما انكسر، ونكتب فصلًا جديدًا عنوانه: البناء بعد الألم.

 لكن العودة ليست فعلًا عاطفيًا، بل موقف سياسي واجتماعي. هي إعلان صريح بأن السودان أكبر من الحرب، وأقوى من مشاريع التفكيك. العودة تعني استعادة الحياة العامة، وإحياء الدولة التي حاولت الحرب تمزيقها. الرجوع اليوم هو مقاومة ضد اليأس. نحن لا نعود لأنفسنا فقط، بل نعود من أجل الأجيال القادمة. نعود حتى لا يكبر أطفالنا وهم يحملون ذاكرة الخيام في اللجوء بدل البيوت، وصوت الرصاص بدل أجراس المدارس. نعود كي نورث أبناءنا وطنًا قابلًا للحياة، لا مجرد حكاية عن وطن كان هنا ذات يوم.

 العودة اليوم استثمار في المستقبل. نعود لنضع حجر الأساس لسودان جديد، يتعلّم من جراحه ولا يعيد إنتاجها. نعود لنقول إن السودان باقٍ، وإن الحرب عابرة، وإن الدولة ستقوم من تحت الركام أقوى وأكثر وعيًا. نعود حتى نعلّم أبناءنا أن الأوطان تُبنى بالصبر، وتُحمى بالوعي، وتُخلّد بالتضحيات. فالوطن ليس أرضًا نسكنها، بل معنى نسكن فيه. وفي ختام هذا القول، لا تكتمل حكاية العودة إلا بالوقوف إجلالًا أمام أولئك الذين دفعوا أثمن الأثمان؛ الشهداء الذين ضحّوا بحياتهم لتبقى فكرة الوطن حيّة، ولتبقى العودة ممكنة. هؤلاء لم يرحلوا من الذاكرة، ولن يغيبوا عن وجدان الشعب السوداني، فهم بذرة الأمل التي نبتت من دمٍ طاهر، وعهدٌ أخلاقي لا يسقط بالتقادم.

 الوفاء لهم ليس دمعة ولا خطابًا، بل التزامٌ صادق بحفظ تضحياتهم، ورعاية أسرهم، وصون كرامتهم، وتخليد ذكراهم في الضمير الجمعي للأمة. وتحية، في هذا المقام، لإدارة ولاية الخرطوم التي صمدت في أقسى الظروف، وسهرت، وضحّت حيث تراجع الأمل، من أجل تنظيف العاصمة وتأهيلها، وإعادة نبض الحياة إلى شوارعها وأحيائها. كما نرفع القبعات عاليًا لشباب السودان المتطوعين، أولئك الذين لم ينتظروا أمرًا ولا مكافأة، فحملوا المكانس والسلاح، وبنوا بالإرادة ما عجزت الحرب عن هدمه في الروح. ومعهم كل يدٍ شاركت، وكل قلبٍ آمن، وكل صوتٍ قال: هذا وطننا ولن نتركه للخراب. هكذا تكون العودة فعلَ وفاءٍ قبل أن تكون حركةَ أقدام، وتكون الخرطوم، كما كانت دائمًا، مدينةً تُجرَح ولا تنكسر، تُنهكها الحروب لكنها لا تفقد روحها. 

ومن قسوة الغياب إلى حضن السودان، نمضي ونحن نعلم أن الطريق صعب، لكننا نعرف أيضًا أن هذا الوطن يستحق، وأن من ضحّوا لأجله ينتظرون منا وطنًا يليق بدمهم… تجوا بالعافية، فالسودان باقٍ بأهله.

search