​حسين عمر عثمان يكتب: المجلس التشريعي الانتقالي ..بين الضرورة الدستورية ومخاطر اللحظة

الخميس، 29 يناير 2026 11:31 ص

حسين عمر عثمان

حسين عمر عثمان

يتداول في الأوساط السياسية والصحفية نقاشٌ حول تشكيل مجلس تشريعي انتقالي في السودان، بوصفه أحد ملامح استعادة مؤسسات الدولة في المرحلة الانتقالية. 

وينطلق هذا النقاش من حالة القلق العام إزاء الفراغ الدستوري، ويعكس رغبة في إيجاد أطر تضبط القرار السياسي وتحدّ من تمدّد "حكم الأمر الواقع".

​غير أن طرح فكرة المؤسسات الانتقالية في هذا التوقيت يفرض ضرورة التوقف عندها بقدرٍ عالٍ من الحذر؛ ليس فقط من زاوية الحاجة الموضوعية، بل أيضاً من زاوية المخاطر الكامنة في التوقيت، والشرعية، والتمثيل، وحدود الدور.

​في الدول التي تشهد حروباً أهلية أو نزاعات داخلية، لا تُطرح مسألة المؤسسات الانتقالية بوصفها خياراً نظرياً أو ترفاً سياسياً، بل كاستجابة اضطرارية لواقع الفراغ الدستوري والسياسي واختلال ميزان السلطة.

 غير أن هذه الضرورة -على مشروعيتها- لا تعني أن إنشاء مؤسسات انتقالية، وعلى رأسها المجلس التشريعي، خطوة خالية من المخاطر، خاصة حين تُطرح في ظل حرب لم تضع أوزارها بعد، وانقسام اجتماعي حاد، واختلافات عميقة بين المكونات السياسية.

​وفي الحالة السودانية، تتضاعف حساسية هذا النقاش؛ فالحرب الجارية ليست حدثاً عابراً، بل هي نتيجة تراكم طويل لأزمات بنيوية في هيكل الدولة، حيث اختلطت السلطة بالدولة، وتآكل العقد الاجتماعي، وضعفت المؤسسات المدنية، وتعمّق الشك المتبادل بين القوى السياسية، فضلاً عن التركات الثقيلة للنظام السابق.

​من هنا، يصبح السؤال عن المجلس التشريعي الانتقالي سؤالاً مركّباً:

​هل هو ضرورة لسدّ الفراغ ومنع الانفلات، وتوفير الحد الأدنى من الرقابة على الجهاز التنفيذي؟  أم هو مخاطرة قد تفتح باباً جديداً للصراع السياسي، وتفكك التماسك الشعبي المطلوب لمواجهة الأزمة الوجودية التي تمر بها البلاد؟

​من الناحية الدستورية، لا يمكن إنكار أن غياب أي سلطة تشريعية يترك المجال مفتوحاً لحكم الأمر الواقع، ويُضعف مبدأ الرقابة والمساءلة، ويحوّل القرارات المصيرية الكبرى إلى أفعال تنفيذية أحادية بلا سند قانوني جامع.

 كما أن استمرار إدارة الدولة دون إطار تشريعي -ولو مؤقتاً- يكرّس حالة "اللا دولة" ويعمّق أزمة الشرعية.

​من هذا المنطلق، يبدو المجلس التشريعي الانتقالي، نظرياً، أداة ضرورية لضبط السلطة، وتقنين المرحلة، ومنع الانزلاق الكامل نحو الفوضى. 

غير أن الانتقال من هذا المنطق النظري إلى الواقع السوداني يكشف عن محاذير لا يمكن القفز فوقها؛ فأي مجلس يُنشأ في ظل استمرار الحرب سيواجه معضلة الشرعية والتمثيل: من يملك حق التمثيل في ظل النزوح الواسع والانقسام الاجتماعي وتعطّل الحياة السياسية الطبيعية؟

​في المقابل، فإن الإحجام الكامل عن إنشاء أي مجلس تشريعي لا يبدو خياراً أقل خطورة؛ فغياب هذا الجسم يترك السلطة التنفيذية دون رقابة، ويُبقي التشريع في يد قرارات فوقية. 

وهنا تتجلى المعضلة الحقيقية: السودان لا يقف أمام خيار مثالي، بل أمام مفاضلة صعبة بين مخاطر إنشاء مجلس في بيئة غير مكتملة، ومخاطر ترك الفراغ الدستوري مفتوحاً بلا ضابط.

​لذلك، فإن التفكير في مجلس تشريعي انتقالي يجب أن ينطلق من منطق "تقليص الضرر" لا "تحقيق الكمال". ويجب أن يتسم بالآتي:

​محدودية الصلاحيات: زمنياً ووظيفياً، بحيث يرتبط صراحة بمرحلة انتقالية قصيرة، ويُمنع من الخوض في قضايا الدستور الدائم.

​أسس التمثيل: تجاوز المحاصصة الحزبية لصالح تمثيل الأقاليم، والأكاديميين، والكفاءات المستقلة، بما يعكس الحد الأدنى من التعددية.

​المعايير الشفافة: أن يخضع تشكيله لمعايير الكفاءة والسيرة الذاتية الواضحة.

​الصفة التطوعية: يُفضّل أن يكون العمل فيه تطوعياً دون مخصصات، لضمان كونه خدمة وطنية لا موضعاً للأطماع.

​إن المؤسسات الانتقالية ليست غاية في ذاتها، بل هي أدوات مؤقتة لإدارة الهشاشة. ونجاحها لا يُقاس بطول بقائها، بل بقدرتها على تمهيد الطريق لعودة البلاد إلى وضعها الطبيعي بأقل كلفة ممكنة. الخطر الأكبر لا يكمن في فكرة المجلس بحد ذاتها، بل في سوء تقدير التوقيت أو تضخيم الدور.

 فالمؤسسة التي تُبنى لسد الفراغ، قد تتحول -إن أسيء تصميمها- إلى صراع جديد بثوب قانوني.

​في لحظات الانتقال، لا يكون التحدي في "البناء السريع"، بل في "البناء المسؤول". فالسودان اليوم لا يحتاج مؤسسات كثيرة، بل يحتاج مؤسسات "محسوبة"، لأن الانتقال ليس لحظة انتصار، بل هو امتحان للمسؤولية الوطنية.

search