برلمان فوق الدم

الأحد، 08 فبراير 2026 07:07 م

رشان اوشي

رشان اوشي

رشان اوشي

أخطر ما يمكن أن تقع فيه الدولة اليوم، وهي تخوض معركة البقاء، أن تسمح للنخبة التي أخفقت في حماية الوطن سياسياً، بأن تعود لتحتل نصف مقاعد البرلمان.

المقترح المطروح لتشكيل المجلس التشريعي الانتقالي، والذي تحصلت عليه من مصادري الصحفية بنسبه المذكورة، لا يعكس واقع الحرب بقدر ما يعكس إصرار واضح على إعادة إنتاج النخبة السياسية الفاشلة ذاتها.

ما الذي قدمته هذه الأحزاب للشعب حتى تستحق نصف سلطته التشريعية في أخطر مرحلة من تاريخ الدولة؟.

هذه النخبة لم تخذل الشعب فقط في إدارة الانتقال، بل فشلت فشلاً ذريعاً في حماية السودان من الاختراق الخارجي. تركت المسرح الدولي خالياً، وسلمت السردية والضغط والتحالفات لقوى داعمة للمليشيا، دون جهد حقيقي، ولا خطاب موحد، ولا استراتيجية سياسية خارجية توازي حجم الكارثة. وبينما كانت الدولة تقاتل في الميدان، كانت معركة الشرعية تخسر في الخارج، بصمت نخبوي مريب.

وفي هذا السياق، تشير معلومات خاصة حصلت عليها، إلى أن مشروع الإطار التأسيسي للمجلس التشريعي الانتقالي ينص صراحة على توزيع المقاعد على أساس محاصصي، يمنح الأحزاب والتنظيمات السياسية 50٪، وأطراف السلام 25٪، والمجتمع المدني 13٪، والإدارة الأهلية 6٪، والرموز الوطنية 3٪، مع مقاعد تكميلية فنية أو نوعية.وذلك دون أي تعريف واضح لكيفية تمثيل المجتمعات التي خاضت الحرب دفاعاً عن الدولة، أو وزن مساهمتها في برلمان انتقالي يُفترض أن يعزز شرعية الدولة.

وتكشف ذات المصادر أن الإطار المقترح يمنح المجلس صلاحيات واسعة، تشمل سن تشريعات المرحلة الانتقالية، ومراقبة أداء السلطة التنفيذية، وإجازة الموازنة العامة والاتفاقيات ذات الطابع السيادي أو المالي، والمصادقة على التعيينات العليا وفق الوثيقة الدستورية، إضافة إلى مراجعة أو إلغاء القوانين المقيدة للحريات والحقوق الأساسية. كما ينص على تشكيل لجنة وطنية مستقلة لاختيار الأعضاء وفق معايير معلنة.

غير أن هذه الضمانات الإجرائية لم تُجب عن السؤال الأهم:من يمثل من؟،ولماذا الآن؟،وعلى أي أساس أخلاقي جرى توزيع مقاعد البرلمان؟.

الأكثر فداحة أن المقترح يمنح أطراف السلام ربع مقاعد البرلمان، بينما يغيب ذكر المقاومة الشعبية والمجموعات المحلية التي حملت السلاح دفاعاً عن الدولة عبر ميثاق أخلاقي، هؤلاء لم يفاوضوا الدولة، بل دافعوا عنها، وربطوا مصيرهم بها حين كانت النخبة السياسية تتراجع خطوة إلى الخلف.

إن إعادة إنتاج معادلة ما قبل 15 أبريل، بذات منهج المحاصصة الحزبية، " مقامرة" حقيقية بمستقبل الدولة. فالحرب ليست سوى ثمرة استقطاب سياسي حاد غذته نخبة تعاملت مع الدولة بوصفها ساحة صراع.

الدولة اليوم بحاجة إلى الإنفاق على الحرب وإعادة الإعمار، لا على  ثلاثمائة مقعد جديد مثقل بالضجيج السياسي. هي بحاجة إلى تمثيل محدود يسمح بوضوح التفويض ونقاء الشرعية، قائم على تمثيل الأقاليم والمجتمعات، وعلى معيار التضحية والالتزام، لا على أوزان سياسية افتراضية فقدت مصداقيتها عند أول اختبار.

المرحلة الانتقالية ليست فرصة أخيرة للنخب لتصحيح صورتها، بل فرصة أخيرة للدولة لتصحيح علاقتها بشعبها. وأي مجلس تشريعي لا يبدأ من هذه الحقيقة، سيولد ضعيف، مثقلاً بالشك، وعاجز عن أداء دوره… مهما كانت نصوصه محكمة، ولجانه مستقلة، وصياغاته أنيقة.
محبتي واحترامي.

https://www.facebook.com/share/p/1H6xVukE7c/

search