الدولة الزبائنية.. وقائع جديدة في قضية مجلس السيادة
الثلاثاء، 10 فبراير 2026 10:05 ص
د. سلمى عبدالجبار
رشان أوشي
استغلال النفوذ والمحسوبية؛ ثغرات خطيرة في جدار دولة تعيش مرحلة مخاض عسير، تحاول فيها الانتقال من الفوضى إلى المؤسسية.
وهما، في الوقت ذاته، امتحان مكشوف لمصداقية الخطاب الرسمي، يضع هيبة المؤسسات على محك قاسٍ: هل الدولة أعلى من الأشخاص، أم أن الأشخاص باتوا أعلى من الدولة؟
حتى الآن، لم تتحرك أي جهة رسمية لإنصاف موظف أفنى أربعين عاماً من عمره في خدمة البلاد، ولم يُحاسب من أساء إليه لأنه تمسك بالقانون.
بل لجأ الجميع إلى حيلة "النعامة"؛ دفن الرؤوس في الرمال انتظاراً لانحسار عاصفة الرأي العام ومرور المياه تحت الجسر، ليُفتح الباب من جديد أمام مسؤول آخر، وتجاوز جديد، وضحية جديدة.
نعود مرة أخرى إلى قضية محاولة بيع قطعة أرض مجتزأة من مجمع "عباد الرحمن الإسلامي" المملوك لوالد عضو مجلس السيادة د. سلمى عبد الجبار؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بإساءة استخدام السلطة ضد موظف عام رفض الاستجابة لطلب شخصي، بل تمتد إلى جوهر القضية نفسها: التصرف في أرض لا يجوز التصرف فيها.
بحسب المستندات وإفادات الشهود، فإن الأرض المعنية "وقف ديني". وقد جرى، إبان تولي عبد الوهاب عثمان وزارة التخطيط العمراني الولائية، تخصيص مساحة تقدر بنحو ألف متر مربع للإيجار والاستنفاع من ريعها فقط، لا للبيع أو التمليك؛ لأنه بحكم القانون والشرع، الوقف لا يُباع ولا يُجزأ لغرض التصرف التجاري. وعليه، فإن أي محاولة لتحويل هذا الحق المحدود إلى بيع نهائي تقع مباشرة في شبهة الفساد واستغلال النفوذ.
غير أن القضية لا تتوقف عند حدود محاولة بيع وقف ديني؛ فالمشهد الأوسع يكشف نمطاً آخر من حالة "الدولة الزبائنية". إذ لُوحظ الظهور المتكرر لشقيقة عضو مجلس السيادة في مناشط رسمية، ومشاركتها في فعاليات سيادية، بل ومخاطبتها لبعضها نيابة عن شقيقتها، دون أي صفة دستورية أو قانونية معروفة.
الأخطر من ذلك، أن تدخلاتها -بحسب إفادات وشكاوى متطابقة من موظفين داخل مجلس السيادة- تجاوزت حدود الحضور المستمر إلى التدخل المباشر في إدارة المكتب، والتحكم في تحركات وقرارات عضو مجلس السيادة.
وقد خلق هذا الوضع حالة من التوتر والاحتقان داخل المؤسسة، بلغت حداً دفع مدير مكتب السيد العضو إلى تقديم استقالته في وقت سابق؛ احتجاجاً على ما وصفه العاملون بتقويض الصلاحيات الإدارية للطاقم الرسمي، وتحويل المكتب إلى "إقطاعية" نفوذ عائلي.
هنا، يطرح الرأي العام أسئلة جوهرية لا يمكن القفز فوقها: ما هي الصفة التي تخول لشقيقة عضو مجلس السيادة ممارسة هذا الدور؟ وأين تقف الحدود الفاصلة بين العائلة والمنصب، وبين الخاص والعام؟
هذه ليست قضية فساد عادية لموظف عام، بل قضية على مستوى سيادي في أعلى قمة السلطة. إما أن تُحسم وفق القانون وبشفافية كاملة، أو تتحول إلى سابقة خطيرة تقول للناس إن المحسوبية أقوى من نصوص القانون، وإن النفوذ العائلي قادر على تجاوز الوقف، والوظيفة، والمؤسسة.
وفي تلك اللحظة، لن يكون هناك معنى للحديث عن دولة قانون، بل عن واقع تحكمه شريعة الغاب، وحينها لن تملك الدولة ترف التغاضي.
محبتي واحترامي.
نسخ الرابط للمقال
آخبار تهمك
مركز الفضاء العالمي للثقافة والإعلام يحتفي بإرث الفنان الراحل محمد ميرغني
04 أكتوبر 2026 07:52 م
الطيب عبد الماجد يرفع راية السودان.. تتويج عربي جديد بأفضل برنامج اقتصادي
20 سبتمبر 2026 09:35 ص
العيلفون تفتح أبواب التمكين.. ملتقى المرأة المنتجة يدعم مشروعات نساء شرق النيل
20 سبتمبر 2026 09:22 ص
«أون سودان» تكشف حقيقة عقد قران الفنانة مكارم بشير
14 سبتمبر 2026 03:55 م
في ختام ورشة واقع الصحفيين في السودان.. عبدالماجد عبد الحميد يدعو لحماية أخلاقيات المهنة
27 أغسطس 2026 02:41 م
الأكثر قراءة
-
غرفة إنجاح الموسم الزراعي بالقضارف تقر حزمة إجراءات لتعزيز الإنتاج وحماية المحاصيل والثروة الحيوانية
-
وفيات بين مرضى السكري في نيالا وسط مخاوف بشأن الأنسولين المتداول
-
النيل الأبيض: تفقد مشروعين زراعيين مرويين لبحث إدخال الطاقة الشمسية
-
السودان يشارك في أعمال الدورة 113 للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية
-
جهاز حماية الأراضي وإزالة المخالفات بالخرطوم يواصل حملة إزالة التعديات العشوائية بشرق النيل
أكثر الكلمات انتشاراً