عندما يُذبح الوطن بأيدي أبنائه بقلم د. حسين عمر عثمان – وجهة نظر

الثلاثاء، 17 مارس 2026 12:38 م

حسين عمر عثمان

حسين عمر عثمان

في الأزمات الكبرى التي تمر بها الدول والشعوب، يصبح السؤال ليس عن أسباب الأزمة، بل عن كيفية تعامل أبناء الوطن معها. فالأزمات قد تنشأ لأسباب داخلية أو نتيجة تداخلات خارجية، لكن طريقة استجابة المجتمع والنخب السياسية والفكرية هي التي تحدد ما إذا كانت الأمة ستنجو من محنتها أو ستنحدر إلى مزيد من التفكك والانقسام. الأزمة السودانية، بكل تعقيداتها، ليست حدثاً طارئاً في تاريخ البلاد. فهي نتاج تراكم طويل من النزاعات السياسية والعسكرية، وضعف بناء الدولة، إلى جانب التدخلات الإقليمية والدولية التي وجدت في هشاشة الداخل السوداني فرصة لتحقيق أهدافها. 

غير أن الاعتراف بهذه العوامل لا يعفي السودانيين أنفسهم من مسؤولية البحث عن مخرج وطني يعيد الدولة إلى مسارها الطبيعي. كان من المنتظر، بل من المفترض، أن تدفع المأساة الحالية مختلف القوى السياسية والمجتمعية إلى الالتقاء حول هدف إنقاذ الوطن.

 لكن ما نشهده في بعض الخطابات اليوم يشير إلى اتجاه مقلق، ومهبط اتجاه تتحول فيه الأزمة من مأساة وطنية تستدعي الحكمة إلى ساحة لتصفية الحسابات، وبث الكراهية، والصراع السياسي، ومحاولة عودة النظام السابق قبل التفكير في الاستقرار وعودة البلاد إلى الوضع الطبيعي، وحساب المخاطر عما يجري بالمنطقة.

 فقد برزت في الفضاء الإلكتروني أصوات يمكن وصفها بأنها نشاز في لحظة وطنية حرجة. بعضها يروج لخطابات الكراهية والانقسام، وكأن البلاد تحتمل مزيداً من الشروخ الاجتماعية. 

وأصوات أخرى تنخرط في التحريض السياسي غير المسؤول على السلطة الحالية لدى دوائر خارجية.

 وهناك مناصرو النظام السابق الذين يحاولون إقحام السودان في صراعات إقليمية، وكأن البلاد لم تكتفِ بعد بآلامها الداخلية وما خلفه النظام السابق من أسباب التفكك، أهمها صناعة المليشيات وحرق دارفور وفصل الجنوب، انتهاءً بموقفه من بناء سد النهضة الذي، حسب رأي العديد من الخبراء، سيشكل خطراً استراتيجياً على مستقبل البلاد، وغيرها من الأخطاء الكارثية التي اصبحت تهدد بقاء الدولة، بجانب إحراج السلطة الحالية وخلق المتاعب. الأخطر من ذلك أن هذه الأصوات مجتمعة، بقصد أو دون قصد، تخلق بيئة مناسبة لمن ينتظرون لحظة ضعف السودان لتحقيق مشروعاتهم ومطامعهم في أرضه وثرواته وموقعه الاستراتيجي.

 فالتاريخ يعلمنا أن الدول لا تسقط فقط بفعل الأعداء الخارجيين، بل كثيراً ما تنهار عندما يتحول أبناؤها إلى معاول هدم في جدران الدولة. وإن  المأساة في الخطاب الذي يبرر استمرار الانقسام ويجعل من الكراهية وقوداً للصراع، والتحريض أكثر انتشاراً من الدعوة إلى العقل، فإن الوطن يبدأ في النزيف من داخله.

 السودان اليوم ليس بحاجة إلى مزيد من الأصوات الصاخبة، بل إلى صوت العقل الوطني الذي يضع بقاء الدولة فوق الحسابات السياسية. فالدول يمكن أن تختلف داخلها الأحزاب والتيارات، لكن هناك دائماً خطاً أحمر اسمه بقاء الوطن.

 وعندما يتم تجاوز هذا الخط، تتحول السياسة من وسيلة لإدارة الخلاف إلى أداة لتفكيك الدولة. لقد أثبتت تجارب كثيرة في التاريخ أن الدول التي تنجو من الأزمات والحروب الأهلية هي تلك التي تدرك نخبها، ولو متأخرة، أن الانتصار الحقيقي لا يكمن في هزيمة الخصم السياسي، بل في إنقاذ الدولة من الانهيار. أما حين تتحول السياسة إلى ساحة لاستثمار الانقسام وبث الكراهية والتحريض، فإن الخاسر الحقيقي يكون الوطن .

 لذلك فإن اللحظة الراهنة تفرض على كل صاحب رأي أو منصة أو تأثير أن يراجع كلماته ومواقفه، وأن يسأل نفسه سؤالاً بسيطاً لكنه بالغ الأهمية: هل ما أقوله اليوم يساهم في إنقاذ السودان أم في تعميق جراحه؟ إن المسؤولية الوطنية تقتضي من الجميع الارتقاء فوق الحسابات الضيقة، والابتعاد عن التصريحات غير المسؤولة أو محاولات استثمار الأزمة سياسياً. وعلى مناصري النظام السابق أن يدركوا أن استدعاء الصراعات الإقليمية أو توظيف الحرب لن يخدم استقرار البلاد، كما أن على بعض القوى السياسية مطالبة بالابتعاد عن التحريض على الدولة بسبب معارضة السلطة.

 وفي الوقت ذاته ينبغي أن تبقى المؤسسة العسكرية مؤسسة وطنية جامعة لكل السودانيين. أما النشطاء في الفضاء الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي، فإن الواجب الوطني والأخلاقي يفرض الابتعاد عن خطاب الكراهية والانقسام، والعمل على ترسيخ لغة العقل والمسؤولية. 

فالسودان الذي أنهكته الحروب لا يحتاج إلى مزيد من الوقود للنار، بل إلى عقول قادرة على إطفائها قبل أن تأتي اللحظة التي يكتشف فيها الجميع أن الوطن قد ذُبح حقاً بأيدي أبنائه.

search