الجنرال كباشي.. الثبات فوق رمال السياسة المتحركة
الثلاثاء، 07 أبريل 2026 12:10 م
رشان اوشي
رشان اوشي
في دهاليز السياسة السودانية المعقدة، ثمة خيط رفيع يفصل بين "رجل الدولة" وبين "الموظف في الدولة"؛ فالأول تحركه المبادئ التي لا تقبل التفاوض، والثاني تحركه الكراسي التي لا تدوم.
عند قراءة مسيرة الفريق أول ركن شمس الدين كباشي، نجد أننا أمام شخصية عسكرية وسياسية صاغت حضورها من خلال الانحياز الكامل ل"القرار الوطني المستقل"، بعيداً عن المزايدات أو إغراءات التوازنات الدولية.
لقد سجلت مواقف الكباشي تجاه التدخلات الخارجية في محاضر التاريخ، وتجلى ذلك بوضوح في موقفه الحاسم من "مبادرة الإمارات" بشأن منطقة الفشقة عام 2020م؛ عندما أعلن رفضها من قلب الفشقة نفسها، واصفاً إياها بأنها محاولة لتمييع الحق السيادي السوداني في أراض استعادها الجيش بعرق ودماء جنوده. كان رفضه نابعاً من إيمان عميق بأن الأرض والهوية والتضحيات لا تخضع للمقايضات السياسية.
هذه الروح الوطنية استمرت حتى في تفاعله مع "الاتفاق الإطاري"، الذي رأى فيه الكباشي مشروعاً قد يؤدي إلى ارتهان الإرادة الوطنية. ولعل القضية الجوهرية التي توثق بعد نظره هي "قضية دمج الدعم السريع"؛ ففي الوقت الذي كان فيه الاتفاق الإطاري يمنح هذه العملية مدى زمنياً فضفاضاً يصل إلى عشر سنوات، بما يحمله ذلك من مخاطر وجودية على وحدة القرار العسكري، كان الكباشي هو الصوت الأكثر صرامة وواقعية؛ حيث قدم مقترحاً يقضي بإتمام عملية الدمج خلال ستة أشهر فقط من تاريخ ورشة الإصلاح الأمني والعسكري. لقد كان يدرك أن المماطلة في هذا الملف هي فتيل لإشعال أزمات مستقبلية، وهو ما أثبتته الأيام لاحقاً.
وحتى في اللحظات التي تطلبت مرونة دبلوماسية، كما حدث في "لقاء المنامة" الذي جرى بترتيب دولة خليجية جارة، لم يتحرك بمفرده أو بدافع طموحات شخصية؛ بل ذهب الكباشي على رأس وفد رسمي برفقة ضباط برتب رفيعة، بتكليف واضح وتنسيق كامل مع رئيس مجلس السيادة؛ ليثبت انفتاح الدولة على الحوار.
وبعيداً عن الصراعات السياسية، تبرز "نظافة اليد" كسمة ملازمة لمسيرة الكباشي العسكرية والمدنية. ففي بيئة لوثها الفساد، ظل الرجل عصياً على الاستقطاب المالي أو الاستغلال السلطوي. ولم يكن هذا السلوك شخصياً فحسب، بل تحول إلى "ثقافة مؤسسية" داخل طاقم مكتبه، الذي عرف بين السودانيين بالانضباط والترفع عن الصغائر.
ويبرز هنا اسم مدير مكتبه، مولانا، سيادة اللواء حقوقي "قرشي"، هذا الرجل، بخلفيته القانونية الرصينة وسمته المتدين الصارم، استطاع أن يقدم نموذجاً مبهراً في الإدارة العسكرية؛ حيث يمتزج الحزم بلين الجانب، والالتزام بالقانون بتقدير الناس. لقد عكس "مولانا" وطاقم المكتب صورة حقيقية عن القائد الذي يختار رجاله بناء على معايير الكفاءة والنزاهة، مما جعل مكتبه قبلة لكل من يبحث عن الحق لا عن المحسوبية.
إن انتقال الكباشي من منصب نائب القائد العام إلى غيره من المناصب، لا يعني أي حال من الأحوال خروجه من المشهد الوطني. ففي الأعراف العسكرية والسياسية، هناك أسماء تتجاوز "المسمى الوظيفي" لتصبح "رموزاً سيادية". يبقى الكباشي رقماً عسكرياً لا يمكن تخطيه في أي ترتيبات مستقبلية، نظراً لقوة المواقف التي اتخذها حين تماهى الآخرون.
لقد استطاع الكباشي أن يحجز لنفسه مكاناً في ذاكرة الدولة كحارس للقرار الوطني المستقل، وكقائد آمن بأن كرامة البزة العسكرية من كرامة الوطن. المنصب قد يتبدل، لكن الأثر الذي تركه في ملفات السيادة ونظافة المسيرة سيبقى مرجعاً لكل من يريد أن يفهم معنى "الثبات" في زمن المتغيرات العاصفة.
محبتي واحترامي
https://www.facebook.com/share/1ChJQAKbR7/
نسخ الرابط للمقال
آخبار تهمك
مركز الفضاء العالمي للثقافة والإعلام يحتفي بإرث الفنان الراحل محمد ميرغني
04 أكتوبر 2026 07:52 م
الطيب عبد الماجد يرفع راية السودان.. تتويج عربي جديد بأفضل برنامج اقتصادي
20 سبتمبر 2026 09:35 ص
العيلفون تفتح أبواب التمكين.. ملتقى المرأة المنتجة يدعم مشروعات نساء شرق النيل
20 سبتمبر 2026 09:22 ص
«أون سودان» تكشف حقيقة عقد قران الفنانة مكارم بشير
14 سبتمبر 2026 03:55 م
في ختام ورشة واقع الصحفيين في السودان.. عبدالماجد عبد الحميد يدعو لحماية أخلاقيات المهنة
27 أغسطس 2026 02:41 م
الأكثر قراءة
-
اكتمال تركيب 202 كاميرا مراقبة لتعزيز الأمن ومكافحة الجريمة بالخرطوم
-
لجنة تهيئة الحوار والكتلة الديمقراطية تتفقان على حوار سوداني شامل
-
شركات بترولية وطنية تدفع بمذكرة لمجلس السيادة تطالب بمراجعة ضوابط استيراد الوقود وإنهاء الاحتكار
-
البرهان يؤكد مواصلة الحسم العسكري ويشيد بدعم أهالي أمري للقوات المسلحة
-
تحت شعار "تعلم المهارات التقنية .. اصنع مستقبلك" .. الكشافة السودانية تختتم كورس الأردوينو وصناعة الروبوت
أكثر الكلمات انتشاراً