اجلال اسماعيل.. تكتب : حين تُطفأ الكهرباء و" تُطفأ " معها الضمائر

السبت، 25 أبريل 2026 09:07 م

اجلال اسماعيل

اجلال اسماعيل

اجلال اسماعيل

تضج وسائل التواصل الاجتماعي بما حدث داخل غرفة العمليات بمستشفى  في كسلا لأن ماحدث ليس حادثة عابرة، ولا “ظرفًا طارئًا” يمكن تجاوزه ببعض التبريرات الباردة. ما حدث هو سقوط مدوٍ لكل معاني المسؤولية، وانكشاف مؤلم لحقيقة الإهمال حين يصل إلى حد العبث بأرواح الناس.
أن تدخل مريضة إلى غرفة العمليات، لا لتُعالج، بل لتواجه مصيرها تحت ضوء هواتف محمولة، فهذا ليس مجرد تقصير… هذا استهتار صريح بالحياة الإنسانية. الطب، في أبسط تعريفاته، قائم على توفير بيئة آمنة قبل أي إجراء. فإذا غابت السلامة، سقطت كل المبررات، وتحول الفعل الطبي إلى مخاطرة غير أخلاقية.
الإصرار على إجراء عملية جراحية مع علمٍ مسبق بانقطاع التيار الكهربائي ليس بطولة، بل تهور. الاعتماد على مولد يتعطل مرارًا أثناء عملية حساسة ليس “خطة بديلة”، بل وصفة لكارثة. وعندما يصل الأمر إلى استخدام كشافات الهواتف داخل غرفة العمليات، فنحن لا نتحدث عن نقص إمكانيات فقط، بل عن غياب كامل للحد الأدنى من المهنية.
الأكثر قسوة ليس فقط ما حدث أثناء العملية، بل ما تلاها. أسرة تنتظر، قلق يتصاعد، معلومات مبتورة، ثم صمت… ثم خبر الوفاة. وبعدها؟ طبيب يغادر دون كلمة، دون تفسير، دون حتى محاولة احتواء الموقف. هذا السلوك لا يمكن وصفه إلا بأنه هروب من المسؤولية، واستخفاف بمشاعر بشر فقدوا عزيزتهم في ظروف صادمة.
المأساة هنا ليست في انقطاع الكهرباء، فهذه أزمة معروفة. المأساة الحقيقية في غياب الاستعداد لها. أي منشأة طبية تحترم نفسها يجب أن تمتلك بدائل مضمونة، مجرّبة، وجاهزة للاستخدام في أي لحظة. الأرواح لا تنتظر إصلاح مولد، ولا تُعلّق على “يمكن يشتغل”.
القضية أكبر من طبيب واحد أو مستشفى واحد. نحن أمام ثقافة إهمال تحتاج إلى مواجهة حقيقية. حين تُدفع الرسوم كاملة، ثم تُقدَّم خدمة دون الحد الأدنى من السلامة، فهذه خيانة للثقة قبل أن تكون تقصيرًا مهنيًا. وحين لا يُحاسَب المقصر، تتحول المأساة إلى سابقة، ويصبح تكرارها مسألة وقت.
إن المطالبة بالمحاسبة ليست رفاهية، بل ضرورة. ليس انتقامًا، بل حماية لأرواح قادمة. فالصمت على مثل هذه الحوادث لا يعني سوى شيء واحد: القبول بها.
رحم الله أسماء علي العوض، التي تحولت قصتها إلى جرس إنذار قاسٍ والتي شرعت أسرتها في اتخاذ إجراءات قانونية ضد المستشفى والتي أصدرت بيانا بذلك. والسؤال الذي يجب أن يبقى حيًا: كم “أسماء” نحتاج بعد، حتى نفهم أن الإهمال في الطب لا يُغتفر؟

search