المُبر محمود يكتب: التعدين العشوائي أم الدولة العشوائية؟
الخميس، 09 يوليو 2026 03:43 م
المُبر محمود
هنالك من يصر على تقديم حلول جيدة ودقيقة، ولكن للمشكلة الخطأ؛ وهذا بالضبط ما يحدث في ملف الذهب، حيث تُدار الأزمة وكأنها قضية تهريب أو ضعف في السياسات المالية، بينما يكمن الخلل الحقيقي في مكان آخر تماماً، ويتمثل في موقع الدولة داخل منظومة استخراج الثروة، لا في آلية بيعها.
لقد انصبت الجهود الرسمية والمجتمعية على مكافحة التهريب، وتعظيم حصائل الصادر، وحث المعدنين للبيع للأسواق الحكومية، وكأن القضية مجرد تنظيم تسويقي، متجاهلة السؤال الجوهري: متى وأين يخرج الذهب من سيطرة الدولة؟ هل عند الحدود أم هناك في باطن الأرض عند المنجم؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تكشف عن واقع صادم، فالسودان هو الدولة الوحيدة في العالم التي تقف في نهاية سلسلة الإنتاج بانتظار أن “يتفضل” عليها منتجوها ببيعها ثروتها.
والحق أن الدول المسؤولة لا تبدأ عند السوق بل عند المنجم؛ فهي صاحبة السيادة على المورد قبل أن يصبح سلعة. لكن في السودان انقلبت المعادلة، فغادرت الدولة لحظة الإنتاج، ثم عادت متأخرة لتلاحق الذهب في الأسواق والحدود. وهكذا صار التركيز على التهريب إدارةً للعرض لا معالجةً للجذر، كمن يعين حارساً على باب المنزل بعد أن فقد ملكيته.
تكشف الأرقام الرسمية حجم الخلل؛ فالحكومة أعلنت أن إنتاج السودان من الذهب خلال عام 2025 بلغ نحو 70 طناً، بينما تعاملت المؤسسات الرسمية مع نحو 20 طناً فقط، أي أن خمسين طناً خرجت خارج الدورة الاقتصادية التي تديرها الدولة وفق الأرقام الرسمية نفسها. أما كثير من العاملين في القطاع ومن يراقبون حركة الإنتاج على الأرض، فيتحدثون عن إنتاج سنوي يتجاوز 200 طن، فإذا اقترب هذا الرقم من الحقيقة، فإنه لا يعكس فشل الدولة في تعظيم الإيرادات، وإنما فشلها في معرفة حجم ثروتها أصلاً، وهذه مرحلة أكثر خطورة من فقدان الإيرادات.
والمشكلة لا تقف عند حدود البيع والشراء؛ فالتعدين الأهلي العشوائي، وهو يمثل ٨٠٪ من إنتاج البلاد للذهب، أعاد تشكيل العلاقة بين الدولة والثروة. ففي كثير من مناطق التعدين، يتفاوض المستثمر أو المعدن مع العمدة أو الناظر أو صاحب النفوذ المحلي، ويدفع ما يُطلب منه هناك، ثم يواصل نشاطه؛ فتغيب الخزانة العامة عن المشهد، وتحضر السلطات المحلية أو القوى التي تفرض نفوذها على الأرض. وهكذا تتحول الإتاوات العامة إلى تسويات خاصة، ويتحول الحق السيادي للدولة إلى اتفاقات محلية لا علاقة لها بالقانون أو بالسيادة.
لهذا السبب بدأت شركات التعدين المنظمة تفقد قدرتها على البقاء؛ فالشركة التي تعمل وفق القانون تتحمل الرسوم الحكومية، والاشتراطات البيئية، والدراسات الجيولوجية، وتكاليف السلامة، والرقابة الفنية. وفي المقابل، يعمل التعدين العشوائي خارج هذه المنظومة كلها، فتتراجع كلفة الإنتاج لديه، وترتفع أرباحه، ويخرج المستثمر المنظم من السوق. وبعض الشركات الأجنبية غادرت السودان بالفعل بعدما أصبحت بيئة الاستثمار أكثر خطورة من أن تتحملها شركات تعمل وفق قواعد الصناعة العالمية، والنتيجة أن القطاع يخسر رأس المال والخبرة والتكنولوجيا، ويكسب مزيداً من الفوضى.
الخطر الاقتصادي لا يتوقف عند هروب المستثمرين؛ فالتعدين العشوائي يدمر صناعة التعدين نفسها، إذ تهدر طرق المعالجة البدائية جزءاً كبيراً من الخام. الصخور التي تستطيع بتقنيات حديثة إنتاج كميات مضاعفة من الذهب، ينتهي بها الأمر إلى إنتاج جزء يسير، ويذهب الباقي مع المخلفات، فالاقتصاد هنا يخسر مرتين؛ مرة بسبب ضعف الاستخلاص، ومرة بسبب استنزاف الاحتياطيات بطريقة تمنع الاستفادة منها مستقبلاً. ثم تأتي البيئة؛ فالزئبق والسيانيد والحفر المفتوحة ومخلفات المعالجة تحوّل مساحات واسعة إلى أراضٍ ملوثة؛ والأرض التي تغادر دورة الزراعة والرعي والسكن لا تعود بسهولة.
أما الخطر الأمني فإنه يمثل التهديد الأخطر على الإطلاق؛ فالذهب “السائب” يفجر النزاعات المجتمعية، ويغري المرتزقة من كل حدب وصوب، ويفتح البلاد للعصابات المنظمة وغير المنظمة العابرة للحدود، والذهب في القارة الإفريقية اقترن دوماً بالنزاعات، فصار وقوداً للحروب لا مصدراً للثروة. ولنا في تجارب الجوار عبرة؛ ففي الكونغو أصبحت مناجم الذهب شريان الحياة لتمويل المليشيات، وفي مالي تحولت مناطق الاستخراج إلى معاقل نفوذ للجماعات المسلحة، وفي إثيوبيا تلاشت الفوارق بين مناطق التعدين وبؤر التمرد، وتلك قاعدة مطردة؛ فخروج المناجم من قبضة الدولة يعني بالضرورة، عاجلاً أو آجلاً، وقوعها في قبضة الجماعات المسلحة.
السودان يسير في الاتجاه نفسه؛ فالأموال الضخمة التي يديرها كبار المعدنين تفتح الباب أمام تكوين مجموعات مسلحة لحماية مناطق النفوذ، وتأمين طرق النقل، وفرض السيطرة على مواقع الإنتاج. بعض هذه المجموعات تعمل تحت لافتات وطنية، أو تعلن دعمها للقوات المسلحة، أو تنخرط في أعمال اجتماعية وخيرية، غير أن وجود السلاح المرتبط بالنشاط الاقتصادي يحمل في داخله خطراً استراتيجياً على الدولة؛ فالثروة قادرة على شراء السلاح، والسلاح قادر على فرض النفوذ، والنفوذ يتحول مع الزمن إلى سلطة مستقلة عن الدولة، وعندها تنتقل المنافسة بين الدولة وهذه المجموعات من التنافس على الذهب إلى التنافس على الأرض نفسها.
الخطر لا يقتصر على الداخل؛ فقطاع يعمل بهذه الدرجة من الفوضى يمثل فرصة مثالية لأي طرف خارجي يريد إنهاك الاقتصاد السوداني؛ فالدول لا تحتاج دائماً إلى إرسال جيوشها لإضعاف خصومها، يكفي أن تجد اقتصاداً مفتوحاً، وحدوداً رخوة، ومورداً استراتيجياً خارج سيطرة الدولة، حتى تتحول الفوضى إلى أداة استنزاف طويلة الأمد.
ولهذا تتعامل دول عديدة مع التعدين غير المشروع بوصفه قضية سيادة؛ فمصر تتعامل بحزم وتفرض رقابة أمنية صارمة على مناطق التعدين الصحراوية، والجزائر تحمي مناطقها الحدودية الجنوبية بإجراءات حاسمة لمنع تحول التعدين غير القانوني إلى اقتصاد موازٍ أو بيئة جاذبة لتدفق السلاح. في المقابل قدمت غانا نموذجاً مختلفاً؛ فقد قننت التعدين الأهلي، ومنحت التراخيص، وأدخلت البنوك في تمويل المعدنين، وربطت الإنتاج بالتقنيات الحديثة، فارتفعت إنتاجية المعدن، وارتفعت معها حصة الدولة، وانخفضت الفوضى.
السودان لا يحتاج إلى إعلان الحرب على المعدنين الأهليين، فهؤلاء يمثلون مصدراً مهماً لدخل آلاف الأسر، لكنه يحتاج إلى إعلان الحرب على التعدين العشوائي؛ فالفارق كبير بين النشاط الأهلي والنشاط الفوضوي؛ فالأول يمكن تنظيمه وتطويره، والثاني يلتهم الاقتصاد والدولة معاً. والمعالجة تبدأ بفكرة قبل أن تبدأ بإجراءات؛ فالدولة تحتاج إلى استعادة موقعها القانوني كشريك أصيل في الثروة المعدنية، لا كمشترٍ لإنتاجها. ولذلك يحتاج السودان إلى قانون عاجل يجرم التعدين العشوائي، ويقرر أن استغلال الموارد الطبيعية يتم وفق المصلحة العامة وحدها، ثم يحول المعدنين التقليديين إلى مربعات صغيرة مرخصة، تدخل تحت المظلة الإيرادية للدولة، وتحصل في المقابل على التمويل، والتدريب، والتقنيات الحديثة، والرقابة البيئية.
وبحسب ما يتداوله كثير من العاملين في القطاع، فإن محمد طاهر، مدير الشركة السودانية للموارد المعدنية، يدرك حجم هذه التحديات، ويدفع في اتجاه إصلاحات مؤسسية، غير أن هذا الملف يتجاوز قدرة فرد أو مؤسسة واحدة؛ فاستعادة السيطرة على الذهب تحتاج إلى قرار سياسي، وإلى أجهزة دولة تعمل وفق رؤية واحدة، وإلى خبراء يقودون السياسة، بدلاً من أن تقود السياسة الخبراء.
إن مسار الذهب في السودان تجاوز كونه قضية اقتصادية، ليصبح مؤشراً على تآكل السيادة الوطنية؛ فالدولة التي تعجز عن ضبط مواردها عند المنجم، تفقد القدرة على توجيه اقتصادها وتأمين استقرارها. ولذلك فإن استعادة السيطرة على هذا القطاع تتطلب تحولاً جذرياً من عقلية “المشتري” في السوق إلى عقلية “السيادي” في المنجم، وأي تأجيل لهذه المعالجة الهيكلية لا يؤدي إلا إلى تعظيم التكاليف الأمنية والاقتصادية، مما يجعل من استعادة المناجم لاحقاً عبئاً يفوق في كلفته العوائد المرجوة من الذهب نفسه.
نسخ الرابط للمقال
آخبار تهمك
المكتبة الولائية بالبحر الأحمر وسفارة الصين تبحثان سبل تعزيز التعاون الثقافي
08 يوليو 2026 09:58 ص
أنت فنان تشكيلي... الدولة تحتاجك اقرأ التفاصيل
07 يوليو 2026 02:59 م
اتحاد الدراما السودانية يعلن الحرب على "ممثلين" التواصل الاجتماعي
07 يوليو 2026 02:07 م
عافيـة منـك وراضيـة عنـك سـو رضـايـا....رحيل فنان الطمبور عبدالرحيم أرقي
02 يوليو 2026 11:14 ص
فريني من ريف واوسي الشمالي: المرأة ضمانة النجاح.. و10 آلاف فرصة تمويل للخرطوم
23 يونيو 2026 10:00 م
ضمن إصداراتها الجديدة.. دار الريّس تدفع برواية "دم الحمامة" إلى المشهد الثقافي
09 مايو 2026 02:08 م
الأكثر قراءة
-
السودان يفعّل مسارات تعاون عملية لتطوير قطاع الاتصالات وجاهزية الإنترنت
-
القضارف تودع العطش....تنفيذ مشروع مياه قرى محلية ريفي بوسط الولاية
-
خلال الموجز الصحفي لقوات الشرطة لشهر يونيو..الناطق الرسمي للقوات يؤكد هدوء الأحوال الأمنية والجنائية بالبلاد
-
انطلاق حملة إصحاح البيئة لمجابهة فصل الخريف بكالوقي
-
مجلس الصحوة الثوري بقيادة هلال: تحرير الكرمك خطوة مهمة في مسيرة استعادة الأمن لكامل التراب السوداني
أكثر الكلمات انتشاراً