هاجر سليمان تكتب.. من يخطط لتدمير القطاع الزراعي؟!.. حينما تتعارض المصالح الشخصية مع الأنظمة

الإثنين، 07 سبتمبر 2026 10:01 ص

هاجر سليمان

هاجر سليمان

هاجر سليمان

السودان «سلة غذاء العالم» لم يُطلق عليه هذا اللقب من فراغ، وإنما لأن السودان دولة تمتلك من المقومات الطبيعية ما يمكنها من تحقيق الاكتفاء الذاتي لها ولمن حولها من سكان الإقليم. وقد ظلت الإدارات المتعاقبة على البلاد تتعمد عدم استغلال الطاقة الإنتاجية القصوى في شتى المجالات الحياتية، وأبرزها الزراعة، بحجج واهية، وهي عدم وجود التمويل، في حين أن الدولة تهدر أموالًا طائلة ومضاعفة على عمليات الاستيراد ودفع الحوافز والعمولات لشركات وجماعات تخصصت في تقديم منفعتها الشخصية على منفعة الدولة.

يبدو أن ما يحدث من تعمد إهمال المركز للأقاليم الزراعية ربما يكون خطة متعمدة تهدف إلى عدم تحقيق الاكتفاء للبلاد، وجعلها دولة مستهلكة عاجزة وغارقة في الديون، ومعتمدة على الاستيراد أكثر من اعتمادها على الإنتاج. والدليل على ذلك النماذج التي ظلت تقدمها وزارات الزراعة بأقاليم السودان المختلفة إلى المركز، الذي يتعمد تجاهل الخطط والاستراتيجيات التي تحقق الوفرة والاكتفاء وتقلل المنصرفات، وينفذ خططًا بديلة من شأنها رفع مستوى الاستهلاك وزيادة منصرفات الدولة، وتعمد زيادة معدلات العجز في ميزان مدفوعاتها، وهو ما يقعد البلاد عن التنمية ويجعلها في مؤخرة الدول.

الولاية الشمالية لديها من الخطط الاستراتيجية المدروسة ما يحقق الاكتفاء الذاتي والوفرة الزراعية في المحاصيل، وخاصة القمح، ويمكن، في حال تنفيذ هذه المشاريع، أن توفر لخزينة الدولة ما يفوق الـ600 مليون دولار، وهي قيمة القمح الذي تقوم الدولة باستيراده سنويًا من أجل سد حاجة الشعب.

المعادلة بسيطة، والتكلفة تعادل ثلث تكلفة استيراد القمح. فإذا أردنا تحقيق الاكتفاء الذاتي للدولة، لا بد أن نقوم بزراعة مليون فدان من القمح، حتى نتمكن من إنتاج مليون و800 ألف طن من القمح، علمًا بأننا في الأحوال العادية لا يتجاوز إنتاج البلاد نحو 500 ألف طن قمح، وتتبقى حاجة البلاد إلى نحو مليون و300 ألف طن يتم استيرادها بقيمة 600 مليون دولار.

في حين أن الولاية الشمالية وحدها بحاجة إلى مبلغ 237 مليون دولار فقط كتكلفة للموسم الشتوي لتحقيق الاكتفاء الذاتي للبلاد، وهذه التكلفة شاملة كل مدخلات الإنتاج، من تحضير الأراضي والتقاوي والأسمدة والعمليات الكهروميكانيكية والمدنية، وعمليات الإرشاد ونقل التقانة، والفرق الفنية والتسيير وغيره. فأيهما أفضل: تحقيق الاكتفاء الذاتي بالعملة المحلية، أم شراء القمح من الخارج بثلاثة أضعاف تكلفة زراعته محليًا؟!

المساحات المزروعة في الموسم الزراعي السابق بالولاية الشمالية بلغت 885 ألف فدان، تمت زراعتها بمختلف التراكيب المحصولية، بينها 200 ألف فدان زُرعت قمحًا. وتخطط الشمالية هذا العام لزراعة مليون و100 ألف فدان، بينها 320 ألف فدان قمح.

هذا العام، وبفضل جهود وزارة الزراعة بالشمالية، تم إعداد خطة تركيبية محصولية، أُضيفت إليها زراعة التوابل والحبوب الزيتية، كالسمسم والفول السوداني وعباد الشمس، والنباتات الطبية والعطرية، وفول الصويا والقطن، والتي بدأ توطينها بالولاية منذ العام الماضي.

عقب تعرض البنية التحتية وقطاع الكهرباء للتخريب من قبل المليشيا في موسم الكرامة الأول، اتجهت الولاية إلى الطاقات البديلة باستغلال مورد الشمس، وأدخلت 18 ميجا من الطاقة الشمسية في الموسم الأول. والآن، في الموسم الثالث، وصلت إلى 41 ميجا من الطاقة الشمسية في القطاع الزراعي، وهناك وحدة مركزية للطاقة الشمسية بسعة 20 ميجا، وهي تبرع من رئيس مجلس السيادة، البرهان، للولاية الشمالية، ويجري العمل فيها الآن.

علمًا بأن حاجة الولاية من الطاقة الشمسية تبلغ 270 ميجاواط، بينها 55 ميجا للقطاع الخدمي والسكني، و215 ميجا للقطاع الزراعي، حيث ستقل تكلفة الإنتاج بنسبة 37%، علمًا بأنها انخفضت حتى الآن بنسبة 16%.

الآن، تتمثل أبرز تحديات الموسم القادم في التمويل، حيث تبلغ ميزانية موسم الكرامة الثالث للموسم الشتوي نحو ترليون و300 مليار، وإذا دفعت الدولة منها نحو 10% فقط، فسوف ينجح الموسم.

ويبدو سوء التقديرات وسوء التفكير واضحًا في موسم الكرامة الثاني، حينما منح المركز ولاية الجزيرة مبلغ 13 ترليونًا للموسم الزراعي، ومنحت الشمالية ترليونًا و200 مليار، فكان إنتاج ولاية الجزيرة 0.8، أي ما يساوي طنًا، وكان إنتاج الولاية الشمالية، رغم ضعف تمويلها، 1.8، أي ما يفوق طنّين، وهو ما يشير بجلاء إلى سوء التخطيط من قبل متخذ القرار.

وزارة الزراعة بالولاية الشمالية لديها خطط لنحو خمس سنوات قادمة يمكن أن تسهم في رفع الناتج المحلي، لذا على وزارة المالية ومجلس الوزراء وبنك السودان أن يدعموا ويشجعوا المشاريع الوطنية، خاصة أن الولاية لديها موارد وإمكانيات ضخمة تكفي لتحقيق الاكتفاء والرفاه للشعب.

الأمر المبشر أن مجموعة «سي تي سي» مركز دنقلا، وبشراكة ذكية مع بنك النيل، وفرت الآليات الزراعية للمزارعين بالولاية، حيث دشن وزير الزراعة بالولاية، المهندس عثمان أحمد عثمان، الحزمة الثالثة من الآليات الزراعية لدعم الموسم الزراعي بالولاية، والتي بلغت نحو 10 آليات زراعية عبارة عن حصادات زراعية. وسيتم الحصول على هذه الآليات عبر مرابحة رأسمالية من بنك النيل، إسهامًا في تحسين العملية الإنتاجية وتشجيع الاستثمار الزراعي.

ولكن لتحقيق الاكتفاء الذاتي، ولرفع مستوى الإنتاج بالبلاد، ودفع عجلة التنمية، وتحويل البلاد من مستهلك إلى منتج، فمن الضروري أن يتم دعم المشاريع الزراعية المنتجة في شتى بقاع السودان، وأن ننتقل من مرحلة استيراد القمح إلى مرحلة تصديره لدول الإقليم من حولنا، مع ضرورة تشجيع توطين زراعة الحبوب الزيتية وغيرها من المشاريع المهمة.

search