رشان أوشي تكتب: حين تصبح الدولة رهينة
الخميس، 17 سبتمبر 2026 05:24 م
رشان أوشي
لم يعد الهدف الأساسي، كيف ينتصر الجيش ، بل كيف تنجو الدولة نفسها. السودان يقف اليوم أمام معركة مختلفة، معركة الاقتصاد والمؤسسات والقرار السياسي.
كل السودانيين يعلمون أن واقع البلاد مأساوي، وأن اقتصاد الدولة يواجه انهيار غير مسبوق، بسبب شح الموارد، وسوء استغلال ما تبقى منها، واستنزافها في تمويل الحرب.
نحن الآن نقاتل من أجل البقاء، في حرب ضربت أساس الدولة نفسها؛ دمرت البنى التحتية، وعطلت المرافق الخدمية، وأخرجت ولايات استراتيجية من دائرة الإنتاج، فانعدمت الموارد وتراجعت الإيرادات.
ولم يتبق للدولة، فعلياً، سوى الذهب؛ وحتى هذا المورد يجري جمعه بالجرامات من آلاف المعدنين التقليديين. ومن المهم أن يدرك الجميع أن عائدات التعدين، مهما بلغت، لا يمكنها وحدها أن تبني دولة وتغطي كلفة حرب بهذا الحجم.
في الوقت ذاته، وقع الشعب السوداني ضحية للموازنات السياسية والمجتمعية التي فرضها واقع الحرب، حيث جرى توزيع الجهاز التنفيذي بين الجماعات المسلحة والمحاصصات الإثنية والسياسية.
وكانت النتيجة حكومة "زبائنية"، تتكئ في بعض مفاصلها على شبكات المصالح والفساد، وعلى موظفين كبار تحولت الوظيفة العامة لدى بعضهم إلى باب للكسب والعمولات، حتى أصبح القرار الحكومي نفسه قابل للبيع والشراء.
أما رئيس الوزراء الدكتور "كامل إدريس"، فهو، في جانب من المشهد، ضحية لهذا الواقع المشوه.
فهو رجل قادم من إحدى أغنى دول العالم، من ضفاف نهر الراين في سويسرا، وموظف أممي أمضى حياته في بيئة مستقرة. لم يكن يعلم أن الأوضاع الداخلية بهذه القتامة التي واجهها؛ إذ وجد نفسه يقود جهاز تنفيذي تسيطر عليه الميليشيات، ووزراء عاجزين عن وضع رؤى أو استراتيجيات، بل إن بعضهم أضحى، يبيع القرار الحكومي بثلاثة آلاف دولار.
من الطبيعي، إذاً، أن تنتهي تجربة الدكتور "كامل إدريس" إلى هذا الفشل الذريع والتردي الاقتصادي والمؤسسي.
فالدكتور "كامل" رجل مهذب، وعلى قدر عال من التعليم، لكنه يفتقر إلى القوة الكافية لمواجهة شبكات الميليشيات والموظفين الفاسدين، وتنازع السلطة في السودان. والقيادة في زمن الحرب لا تحتمل التردد، ولا تسمح بأن يصبح رئيس الوزراء أسير لتوازنات لم يصنعها، ولا قادر على تغييرها.
وإن كانت ثمة نصيحة صادقة يمكن تقديمها للدكتور "كامل ادريس" فهي أن يتنحى فوراً، ويعود إلى حياته الهادئة على ضفاف الراين.
إن الشعب السوداني باتت تفصله عن الجوع الشديد والاقتيات على ورق الأشجار خطوة واحدة. ومع ذلك، لا يزال صابر ومتمسك بأرضه، إيماناً بقضيته الوطنية، وعرفاناً بتضحيات أبنائه في القوات المسلحة وحلفائها.لكن هذا الصبر يتطلب معالجات حاسمة، تقع مسؤوليتها الأخيرة على عاتق الفريق أول "عبد الفتاح البرهان".
سيادة الرئيس، لا تجامل على حساب شعبك الذي أيدك ورابط معك، فلا صوت يعلو فوق صوت الشعب.لا تحالفات مسلحة ينبغي أن تكون أقوى من مؤسسات الدولة، ولا موازنات سياسية ينبغي أن تتقدم على لقمة المواطن، ولا اعتبارات خارجية ينبغي أن تبرر استمرار الفشل، ولا محاصصات يمكن أن تكون أهم من إنقاذ ما تبقى من الدولة.
إن إعادة تشكيل الجهاز التنفيذي، وإبعاد الوزراء والمسؤولين الذين أثبتوا عجزهم أو تحوم حولهم شبهات فساد، واستعادة القرار الحكومي من شبكات المصالح، أصبحت ضرورة وطنية عاجلة. فالمرحلة لا تحتاج إلى حكومة ترضي الجميع، بقدر ما تحتاج إلى حكومة تنقذ السودان.
نسخ الرابط للمقال
آخبار تهمك
«أون سودان» تكشف حقيقة عقد قران الفنانة مكارم بشير
14 سبتمبر 2026 03:55 م
في ختام ورشة واقع الصحفيين في السودان.. عبدالماجد عبد الحميد يدعو لحماية أخلاقيات المهنة
27 أغسطس 2026 02:41 م
كتب وتراث وفن يعيدون الحياة إلى معدية توتي بحضور والي الخرطوم
22 أغسطس 2026 04:03 م
بعد غياب أكثر من 3 سنوات..محمد النصري يعود من أم درمان للغناء في عيد الجيش
16 أغسطس 2026 10:08 ص
الأكثر قراءة
-
وزير العدل يتابع الترتيبات النهائية الخاصة بامتحانات تنظيم مهنة القانون
-
وزير الدولة المالية يعلن بدء نظام إتزان للموازنة العامة
-
الشرطة تضبط معمل عشوائي للزيوت و ترفض محاولة رشوة بـ7 ملايين جنيه
-
تعزيز مرونة النظم الزراعية والغذائية.. شراكة لدعم التعافي والأمن الغذائي في السودان
-
حاكم النيل الأزرق يشهد كرنفال تخريج دارسي دورة المسيرات المتقدمة الثانية
أكثر الكلمات انتشاراً