الرأسمال الذي لم يهرب.. معركة الإنتاج من أجل بقاء السودان
الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026 04:53 م
معركة الإنتاج من أجل بقاء السودان
راشان أوشي
بينما كان الجيش السوداني يخوض معركة البندقية، كان مقاتلون آخرون يخوضون معركة لا تقل أهمية، هي معركة الاقتصاد والإنتاج، وسط زخات الرصاص ودوي المدافع التي أحالت البنى التحتية إلى ركام.
وفي الوقت الذي غادرت فيه قطاعات واسعة من الرأسمالية والمنتجين السودان، ونقلت أعمالها إلى دول الجوار، اختارت قلة قليلة البقاء داخل البلاد؛ فانتقلت من العاصمة إلى مدن قريبة، وخاطرت بما تبقى من أموالها، حتى لا يتوقف الإنتاج ولا يجوع السودانيون.
لم أمارس الصحافة الاقتصادية، ولا أدعي معرفة واسعة بتفاصيل الاقتصاد وأسواقه، لكنني أعرف أن هناك مواقف وطنية واضحة كالشمس، لا تحتاج إلى كثير من الشرح.
أمس، شاركت، برفقة عدد من الزملاء الأفاضل، في تدشين مشروع جديد لمجموعة «أصيل القابضة»، المملوكة لابن أم درمان، ياسر أحمد كمبال. وتُعد أسرة «كمبال» من الأسر العريقة التي أسهمت، على مدى عقود، في النهضة الاقتصادية للسودان، خصوصاً في مجال الصناعات التحويلية وإنتاج المواد الغذائية. وهي أسرة من التجار العصاميين الذين بنوا ثرواتهم بالعمل والإنتاج، لا بالتسهيلات ولا بعلاقات السلطة.
ودشنت مجموعة «أصيل القابضة» رسمياً مشروعها الجديد للدواجن بمدينة شندي في ولاية نهر النيل، بحضور وزير الثروة الحيوانية والسمكية، البروفيسور المنصوري، في محاولة لتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي من اللحوم البيضاء، وتقليل فاتورة الاستيراد التي تستنزف العملة الصعبة، وتنعكس في النهاية على أسعار الغذاء ومعيشة المواطن.
ويضم المشروع مذبحاً وماكينات للتجفيف والتجميد، بطاقة إنتاجية تبلغ نحو 650 ألف طن شهرياً، إلى جانب مصانع أخرى تنتج الصابون والبسكويت واللبن المجفف والعصائر والكرتون.
لكن قصة «أصيل» لا يمكن اختزالها في مصنع جديد فقط، فهي نموذج لما يواجهه الرأسمال الوطني الذي قرر البقاء والإنتاج داخل السودان رغم الحرب.
ففي ظل انهيار البنية التحتية وشح الكهرباء، تستهلك مصانع المجموعة نحو مليون لتر، أو ما يعادل 222 ألف جالون من الوقود أسبوعياً، حتى لا تتوقف خطوط الإنتاج.
والجميع يعلم تكلفة أن يصبح الوقود بديلاً عن الكهرباء؛ وهنا يتحول الإنتاج نفسه إلى معركة يومية.
ولا تتوقف المعاناة عند ذلك، إذ يواجه الرأسمال الوطني مسارات أخرى من الصعوبات، بينها الجبايات المتعددة وغير المنطقية التي تثقل كاهل المنتجين، من دون أن يرى المواطن أثراً واضحاً لها في حياته اليومية.
وهو ما يدفع إلى التساؤل عن أسباب تعثر إعادة تشغيل محطة كهرباء المنطقة الصناعية بحري. فهذه المنطقة ترتبط أرزاقها، بصورة مباشرة، بنحو 35 ألف عامل وأسرة، ويعني تشغيلها عودة خطوط الإنتاج إلى العمل، وتوفير السلع، وتقليل الضغط على الأسواق وفاتورة الاستيراد.
وقد توصل أصحاب المصانع، مع لجنة تهيئة البيئة التي كان يقودها الفريق إبراهيم جابر، إلى اتفاق يقضي بمساهمتهم بنسبة 50% من تكلفة صيانة المحطة، البالغة خمسة ملايين دولار. ومع ذلك، لا يزال المشروع متعثراً، وسط مماطلة في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.
وبعد مغادرتي ولاية نهر النيل، بدأت أبحث في أوضاع المناطق الصناعية في الخرطوم، وما وصلت إليه يفتح الباب أمام تساؤلات، أهمها: هل تعطيل بعض المناطق الصناعية مجرد نتيجة طبيعية للحرب والدمار، أم أن هناك مصالح وأيادي خفية تستفيد من استمرار هذا التعطيل؟
خصوصاً في ظل وجود منتجين يعملون داخل السودان، في مواجهة أزمات الكهرباء والوقود والجبايات، بينما تنافسهم منتجات وخطوط إنتاج مرتبطة برؤوس أموال سودانية تعمل خارج البلاد، ثم تدخل إلى السوق السوداني بأسعار مرتفعة.
إن قصة صمود «أصيل القابضة»، وغيرها من المنتجين السودانيين، ينبغي أن تدفع الدولة إلى إعادة النظر في طريقة تعاملها مع القطاع الصناعي.
فالدولة التي تسعى إلى وقف نزيف العملة الصعبة، لا يمكن أن تنظر إلى الصناعة باعتبارها مجرد مصدر للجبايات، بل باعتبارها جزءاً مهماً من الأمن الاقتصادي والغذائي.
والدولة التي تضع سياسات تمنع استيراد بعض السلع الاستهلاكية بحجة حماية الصناعة المحلية، مطالبة، في المقابل، بتهيئة البيئة التي تسمح للمصنع المحلي بالإنتاج والمنافسة.
وهنا يبرز سؤال آخر، أكثر أهمية، موجه إلى رئيس الوزراء ووزارة التجارة والصناعة: ما المعطيات الاقتصادية التي استندت إليها سياسات حظر بعض السلع الاستهلاكية من الاستيراد؟
إذا كان الهدف هو حماية المنتج المحلي وتقليل استنزاف العملة الصعبة، فكيف يمكن تحقيق ذلك في الوقت الذي تتعثر فيه إعادة تأهيل المناطق الصناعية، وتبقى منشآت إنتاجية كبرى خارج دائرة العمل، وتُفرض على المنتجين جبايات وأعباء إضافية؟
أما إجابتي عن هذه الأسئلة، فملخصها أن السودان، إلى جانب حاجته إلى كهرباء وطرق مفتوحة ووقود متاح وجبايات معقولة وسياسات مستقرة، يحتاج، قبل كل ذلك، إلى إدارة تدرك أن المصنع الذي يعمل اليوم قد يعني الوجبات التي تصل إلى موائد السودانيين غداً.
يحتاج إلى إدارة تفهم أن الإنتاج ليس مجرد ضرائب وجبايات، وإنما خبز على موائد الأسر، وفرص عمل، وعملة صعبة.
وأخيراً، هناك من يقاتل في الميدان، وهناك من يقاتل في المصنع. وكلاهما، بطريقته، يخوض معركة من أجل بقاء الدولة.
محبتي واحترامي.
نسخ الرابط للمقال
آخبار تهمك
الطيب عبد الماجد يرفع راية السودان.. تتويج عربي جديد بأفضل برنامج اقتصادي
20 سبتمبر 2026 09:35 ص
العيلفون تفتح أبواب التمكين.. ملتقى المرأة المنتجة يدعم مشروعات نساء شرق النيل
20 سبتمبر 2026 09:22 ص
«أون سودان» تكشف حقيقة عقد قران الفنانة مكارم بشير
14 سبتمبر 2026 03:55 م
في ختام ورشة واقع الصحفيين في السودان.. عبدالماجد عبد الحميد يدعو لحماية أخلاقيات المهنة
27 أغسطس 2026 02:41 م
الأكثر قراءة
-
شرطة الشارقة تكرم سودانياً ضرب أروع الأمثلة في الأمانة بعد إعادته 85 ألف درهم لمالكها
-
بعد الفوز على أوغندا.. منتخب السودان يتأهل لأمم إفريقيا تحت 20 عامًا ويصعد لنهائي سيكافا
-
حاكم النيل الأزرق يتابع الأوضاع الأمنية والخدمية بمحافظة باو
-
رئيس مجلس السيادة يلتقي وفد المجلس الأعلى لقبائل الكواهلة
-
والي وسط دارفور يبحث مع المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي خطة لمواجهة خطاب الكراهية
أكثر الكلمات انتشاراً