رشان أوشي تكتب.. من يدفع الفاتورة؟..(١) كيف آلَ قوت 40 مليون سوداني إلى سيطرة ثلاثة رجال؟
الأحد، 27 سبتمبر 2026 10:57 ص
رشان أوشي
رشان أوشي
بينما يدفع الشعب السوداني الفاتورة الأقسى للحرب والنزوح، من دمه وأمنه واستقراره، يبدو أن معاناته تلك لم تعد كافية؛ إذ تحوّل، بقدرة قادر، إلى لقمة سائغة في فك الجشع الاقتصادي.
السلعة الحياتية الأهم، الوقود، باتت أسيرة سيطرة ثلاثة من رجال الأعمال، يتحكمون في شريان حياة البلاد، ويضعون احتياجات الناس والدولة معاً أمام مساومات، إما القبول بشروطهم، أو مواجهة شح الوقود وأزماته.
في عام 2025، اعتمدت وزارة الطاقة سياسات لاستيراد الوقود، من خلال تصنيف الشركات المؤهلة إلى خمس مجموعات. وكانت النتيجة آنذاك منافسة أوسع، وتوفر أفضل للوقود، إلى جانب حركة أسعار منطقية مرتبطة بالسوق العالمية، وهو ما خفف جانباً من الأعباء عن المواطن.
لكن تلك الانفراجة لم تدم طويلاً، مع مطلع عام 2026، تغير المشهد بصورة جذرية عقب فرض وزارة الطاقة شروط جديدة على الموردين، من بينها إلزامهم بإنشاء مستودعات تخزين تتراوح تكلفتها بين (8 -12)مليون دولار، فضلاً عن إيداع (200) كيلوغرام من الذهب كضمان عيني.
شروط بهذه الكلفة، في اقتصاد مأزوم، قادرة عملياً على إقصاء معظم الموردين الذين أنهكتهم تداعيات الحرب، وبالتالي أخرجتهم من دائرة المنافسة.
وهذا ما حدث؛ إذ انحصر الاستيراد في ست شركات فقط: ثلاث حكومية، وثلاث تؤول ملكيتها إلى رجال أعمال، ليصبح هؤلاء في موقع يجمع بين السيطرة على الاستيراد والتوزيع في آن واحد.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.عندما يسيطر ثلاثة رجال فقط على نصف كمية الوقود، يصبح العرض رهيناً بموازين القوة بين الدولة والموردين. فإذا اختلف الطرفان حول الأسعار أو هامش الربح أو التعرفة، ينعكس ذلك مباشرة على الشارع. تظهر النتيجة في صورة نقص في الإمداد، بسبب الامتناع عن البيع أو تقليص ضخ الوقود إلى المحطات.
وفي الطرف الآخر، يستيقظ المواطن على صفوف طويلة أمام محطات الوقود، تلتهم ساعات من يومه، من أجل الحصول على كمية تشغل حافلة مواصلات، أو مضخة مياه في مزرعة، أو مولد في مستشفى.
المسألة، إذن، لا تتعلق بسعر الوقود وحده؛ إنها تتعلق بمن يتحكم في تفاصيل الحياة اليومية في بلد يعيش تحت وطأة الحرب.
والأخطر أن القضية لا تقف عند حدود استيراد الوقود. فمعظم الموردين النافذين ينشطون كذلك في قطاع تعدين الذهب، بل إن أحدهم حصل على وكالة من بنك السودان المركزي لشراء الذهب لصالح البنك.
وهي سياسات أثّرت سلباً، في سوق النقد الأجنبي والمضاربة على العملة، قبل أن يتدخل رئيس مجلس السيادة ويوجه بنك السودان المركزي بمراجعة سياساته الجديدة.
وبهذا، أصبح تداخل تجارة الوقود والذهب والنقد الأجنبي في أيدي مجموعات محدودة.
ما المبرر المنطقي والأخلاقي لأن تصبح سلعة استراتيجية تقوم عليها حياة ملايين السودانيين رهينة لإرادة عدد محدود من الأفراد؟ومن منح هؤلاء القدرة على التحكم في الاستيراد والتوزيع معاً؟ولماذا تفرض وزارة الطاقة شروط تؤدي عملياً إلى إخراج المنافسين من السوق، وتتسبب في احتكار لصالح ثلاثة أشخاص؟
إذا كانت الحكومة هي صاحبة السيادة على الموارد والسلع الاستراتيجية، فكيف يتحول خلافها مع الموردين حول الأسعار والأرباح إلى أزمة يدفع ثمنها المواطن وحده؟ .في بلد أنهكته الحرب، ليس من المعقول أن يصبح الوقود أداة تفاوض بين الدولة ورجال الأعمال.
فالوقود ليس سلعة عادية يمكن للمواطن الاستغناء عنها، ولا يجب السماح بأن يصبح مسرح للمساومة؛ فالأمر يتعلق بالنقل والزراعة والمياه والمستشفيات والكهرباء.إنها مسألة أمن اقتصادي.
في الحلقة القادمة من سلسلة مقالات :من يدفع الفاتورة؟ :
من المسؤول عن إقعاد موانئ السودان؟
محبتي واحترامي
نسخ الرابط للمقال
آخبار تهمك
الطيب عبد الماجد يرفع راية السودان.. تتويج عربي جديد بأفضل برنامج اقتصادي
20 سبتمبر 2026 09:35 ص
العيلفون تفتح أبواب التمكين.. ملتقى المرأة المنتجة يدعم مشروعات نساء شرق النيل
20 سبتمبر 2026 09:22 ص
«أون سودان» تكشف حقيقة عقد قران الفنانة مكارم بشير
14 سبتمبر 2026 03:55 م
في ختام ورشة واقع الصحفيين في السودان.. عبدالماجد عبد الحميد يدعو لحماية أخلاقيات المهنة
27 أغسطس 2026 02:41 م
الأكثر قراءة
-
مناوي يلتقي سيرجي لافروف ويبحث معه قرار حظر السلاح على دارفور
-
أكثر من 4502 طالب وطالبة يؤدون امتحانات الشهادة المتوسطة بمحلية الخرطوم بنسبة زيادة 25٪ من العام السابق
-
السعودية تشكو «الدعم السريع» لمجلس الأمن بعد استهداف شحنة مساعدات في السودان
-
وزير الموارد البشرية يفتتح المرحلة الأولى من مركز التدريب المهني بالدامر
-
النيل الأبيض والفرقة 18 مشاة تكرمان قدامى المحاربين بالدويم
أكثر الكلمات انتشاراً