د. حسين عمر عثمان يكتب.. الشعب يريد جيشاً قومياً واحداً... لا صناعة المليشيات
الأحد، 11 أكتوبر 2026 11:03 ص
د. حسين عمر عثمان
د.حسين عمر عثمان
في اللحظات الفاصلة من تاريخ الأمم، لا تُقاس خطورة الحروب بحجم الدمار الذي تخلّفه فحسب، بل بما تحدثه من تحولات في بنية الدولة وعلاقة المجتمع بالسلطة . فالحروب قد تُنتج واقعاً أشد خطورة من المعارك نفسها، حين تتحول الضرورات العسكرية إلى ترتيبات دائمة، ويصبح تعدد المجموعات المسلحة أمراً واقعاً يجري التعامل معه بدلاً من معالجة أسبابه .والسودان، الذي يعيش واحدة من أصعب مراحله التاريخية منذ اندلاع حرب أبريل 2023، يقف أمام سؤال مصيري يتجاوز كيفية وقف الحرب إلى طبيعة الدولة التي ينبغي بناؤها بعدها، هل يريد السودانيون دولة واحدة تحتكر مؤسساتها الوطنية القوة المسلحة، أم دولة تتقاسم فيها المجموعات العسكرية المتعددة النفوذ، وتظل احتمالات الصراع كامنة حتى في أوقات السلام؟ في ظروف الحروب، يسهل تسويق فكرة تكوين مليشيات وقوى خارج الاطر المؤسسية .وهنا يبرز سؤال ينبغي أن يواجه به السودانيون كل خطاب يدافع عن استمرار صناعة المليشيات خارج المؤسسة العسكرية الوطنية: هل يوفر هذا السلاح حماية مستدامة للمواطنين، أم يجعل أمنهم مرهوناً ببقاء جماعة مسلحة وقائدها ومصالحها؟ وهل يعزز التعايش بين مكونات المجتمع، أم يدفع كل جماعة إلى النظر إلى الأخرى باعتبارها تهديداً يستوجب الاستعداد المسلح لمواجهته؟ إن الأمن الذي يقوم على توازن الخوف بين الجماعات ليس أمناً مستقراً، وإنما هدنة هشة قابلة للانهيار عند أول اختبار.إن احتكار الدولة للاستخدام المشروع للقوة المسلحة لا يعني احتكار جماعة سياسية للسلطة، ولا يمنح المؤسسة العسكرية تفويضاً مطلقاً لإدارة الحياة العامة، وإنما يعني أن تكون القوة خاضعة للدستور والقانون، وأن تتولى مؤسسات وطنية مهنية مسؤوليات الدفاع والأمن وفق قيادة واضحة ورقابة ومساءلة. فالدولة القوية ليست تلك التي تستطيع إخافة مواطنيها، بل التي تجعلهم في غنى عن الاحتماء بالسلاح الخاص، لأنهم يثقون في قدرتها على حمايتهم وإنصافهم.
ولا يتحقق هذا المبدأ في ظل وجود مجموعات مسلحة موازية تحتفظ بقياداتها ومواردها وولاءاتها المستقلة، كما لا يتحقق بمجرد تغيير أسمائها أو إدراجها شكلياً تحت مظلة رسمية. فالوحدة العسكرية الحقيقية ليست وحدة اللافتات والشعارات، وإنما وحدة القيادة والعقيدة المهنية والانضباط والقرار والمساءلة.ومن أخطر الأخطاء الاستراتيجية أن تتعامل الدولة مع المليشيات باعتبارها وسيلة لتعويض ضعف مؤسساتها العسكرية أو مواجهة خصومها. فقد يبدو تسليح جماعات معينة مكسباً تكتيكياً في لحظة معينة، لكنه قد يتحول إلى خسارة استراتيجية تهدد الدولة ذاتها. وتُعدّ تجربة تكوين قوات الدعم السريع في السودان مثالاً بالغ الدلالة على مخاطر نشوء قوة عسكرية موازية تتراكم لديها الموارد والقدرات وشبكات المصالح، حتى تصبح قادرة على منازعة مؤسسات الدولة سلطتها وقرارها.فالقوة المسلحة لا تتكون من المقاتلين والأسلحة وحدهم، بل من منظومة من الولاءات والقيادات والتمويل والمصالح والعلاقات السياسية.
وكلما امتلكت جماعة مسلحة مصادر مستقلة للقوة، ازدادت قدرتها على التصرف خارج الإرادة المؤسسية للدولة، وقد تتشابك مصالحها مع قوى خارجية، بما يجعل القرار الوطني عرضة للتأثير والتدخل. وهنا تتجلى المفارقة المأساوية: فقد تلجأ الدولة إلى إنشاء قوة موازية لتعزيز قدرتها على مواجهة خطر آني، ثم تجد نفسها لاحقاً مضطرة إلى مواجهتها لاستعادة سلطتها. فالدولة التي تستعير القوة من مراكز مسلحة مستقلة قد تكسب معركة، لكنها تخاطر بخسارة سيادتها على قرارها الوطني.ولا تقتصر خطورة انتشار المليشيات على تفتيت المؤسسة العسكرية، بل تمتد إلى تقويض الثقة داخل المجتمع. فعندما يغيب الأمن العام، يبحث المواطنون عن أمنهم الخاص، وحين يصبح السلاح ضمانة للحماية، تدخل الجماعات في حلقة مفرغة: تتسلح لأنها لا تثق في بعضها، ثم يصبح انتشار السلاح سبباً إضافياً لتعميق انعدام الثقة. وهكذا تتراجع المواطنة أمام الولاءات الضيقة، ويحل منطق القوة محل سيادة القانون.وقد تفرض الحروب تعبئة استثنائية لمواجهة الأخطار المباشرة، لكن الضرورة العسكرية لا ينبغي أن تتحول إلى فلسفة دائمة لبناء الدولة. فالمشاركة في الحرب لا تمنح أي تشكيل مسلح حقاً دائماً في الاحتفاظ بقيادته وسلاحه المستقلين. ولذلك فإن الانتقال إلى السلام يقتضي إصلاحاً شاملاً للقطاع الأمني، ودمج كل المجموعات العسكرية وفق معايير وطنية ومهنية موحدة.كما أن بناء جيش قومي واحد يقتضي إصلاح المؤسسة العسكرية نفسها، وتعزيز مهنيتها وحيادها، وضمان خضوعها للسلطة الدستورية المدنية والقانون، بحيث يشعر كل سوداني بأن الجيش مؤسسته الوطنية، لا أداة في يد جماعة أو منطقة أو تيار سياسي. فالمطلوب ليس استبدال مليشيا بأخرى، ولا إعادة توزيع القوة المسلحة بين الجماعات، وإنما إنهاء المنطق الذي يجعل امتلاك السلاح طريقاً إلى النفوذ السياسي أو ضماناً للحقوق. لقد دفع السودان ثمناً باهظاً لتعدد مراكز القوة المسلحة، وسيكون من أفدح أخطاء المرحلة المقبلة أن يُعاد إنتاج الأسباب التي قادت إلى هذه المأساة تحت مسميات جديدة. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في إنهاء الحرب فحسب، بل في منع تكرارها عبر بناء دولة تستمد قوتها من شرعية مؤسساتها وعدالة قوانينها وثقة مواطنيها. إن مستقبل السودان لا ينبغي أن يبقى رهينة لتوازنات السلاح والولاءات المتنافسة، بل لإرادة وطنية تؤسس لسلام مستدام وسيادة لا تقبل التجزئة.
نسخ الرابط للمقال
آخبار تهمك
جمهور النصري يشعل "السوشيال ميديا" غضباً على شاعرة أغنية ( محيتك) فما القصة؟
10 أكتوبر 2026 10:09 ص
مركز الفضاء العالمي للثقافة والإعلام يحتفي بإرث الفنان الراحل محمد ميرغني
04 أكتوبر 2026 07:52 م
الطيب عبد الماجد يرفع راية السودان.. تتويج عربي جديد بأفضل برنامج اقتصادي
20 سبتمبر 2026 09:35 ص
العيلفون تفتح أبواب التمكين.. ملتقى المرأة المنتجة يدعم مشروعات نساء شرق النيل
20 سبتمبر 2026 09:22 ص
«أون سودان» تكشف حقيقة عقد قران الفنانة مكارم بشير
14 سبتمبر 2026 03:55 م
الأكثر قراءة
-
جهاز حماية الأراضي وإزالة المخالفات بالخرطوم ينفذ حملة إنذارات للتعديات العشوائية ببحري
-
خرج مساء الخميس ولم يعد.. أسرة سودانية في مصر تبحث عن سعيد آدم أبكر
-
8 آلاف و755 طالبًا وطالبة يؤدون امتحانات الشهادة المتوسطة بالكاملين
-
سلاح الجو يستهدف مواقع للدعم السريع في النهود
-
الخارجية السودانية تدين استهداف مطار الملك خالد بالرياض وتؤكد تضامنها مع السعودية
أكثر الكلمات انتشاراً