حربٌ خلف خطوط النار.. حين تضرب الاستخبارات قلب المليشيا
الإثنين، 26 أكتوبر 2026 03:36 م
حربٌ خلف خطوط النار.. حين تضرب الاستخبارات قلب المليشيا
مجدي العجب
ليست كل المعارك التي تغيّر مصائر الحروب تُخاض في ميادين القتال، ولا تُقاس الانتصارات دائماً بعدد المواقع التي تسقط أو المدن التي تُستعاد؛ فثمة معارك أخرى تدور في صمت، خلف ستار كثيف من السرية، حيث لا تتقدم المدافع وحدها إلى خطوط المواجهة، بل تسبقها العقول، وتشق المعلومة طريقها في دهاليز الخصم، لتصيب مكامن قوته وتكشف مواطن ضعفه. هناك، في المساحة الفاصلة بين ما يظهر للعيان وما يجري خلف الكواليس، تُدار واحدة من أكثر جبهات الحرب تعقيداً وتأثيراً.
وفي المشهد السوداني، تبرز أهمية الدور الذي يضطلع به جهاز المخابرات العامة والاستخبارات العسكرية في مواجهة مليشيا الجنجويد، من خلال معركة استخباراتية تستهدف تفكيك بنيتها الداخلية، وكشف تشابكاتها، واستثمار تناقضاتها وصراعاتها، بما يضع تماسكها التنظيمي أمام اختبارات متزايدة. فالمليشيات، مهما أحكمت قبضتها على عناصرها، لا تستطيع إخفاء التصدعات التي تصنعها المصالح المتضاربة، ولا احتواء صراعات النفوذ والولاءات المتبدلة إلى الأبد؛ إذ قد تتحول الخلافات الكامنة، متى توافرت الظروف المناسبة، إلى شروخ واسعة تعصف بوحدة الصف وتبدد تماسك البنية القتالية.
إنها معركة لا تُقاس نتائجها بالضجيج، ولا تُكشف أسرارها بالضرورة في البيانات والتصريحات، بل تتجلى آثارها في الانشقاقات، واضطراب الولاءات، وتراجع الثقة داخل صفوف الخصم. وفي هذا النوع من المواجهات، تصبح القدرة على قراءة التحولات الداخلية وفهم شبكات العلاقات ومراكز النفوذ عنصراً حاسماً في إضعاف الخصم.
وبينما تتواصل المواجهة العسكرية على الأرض، تظل الجبهة الاستخباراتية ميداناً موازياً لا يقل أهمية؛ فحين تتضافر المعلومة الدقيقة مع التخطيط المحكم والصبر الاستراتيجي، قد تبدأ نهاية التماسك من الداخل، قبل أن تظهر ملامحها كاملة على خطوط النار.
الاحتراف:
ولعل من أبرز محطات هذا التصدع انشقاق أبو عاقلة كيكل في أكتوبر 2024، ثم توالي مغادرة قيادات ميدانية بارزة، من بينها اللواء النور أحمد آدم، المعروف بـ«النور القبة»، والعميد علي رزق الله «السافنا»، والعميد موسى خمسين. وفي أكتوبر 2026، برز انشقاق المقدم محمد أزرق الفنجري، الذي عرّف نفسه بأنه قائد مجموعة المهام الخاصة بقوات الدعم السريع، معلناً انحيازه إلى القوات المسلحة وداعياً رفاقه إلى مغادرة صفوف المليشيا.
ووفقاً لتقارير إعلامية، رافقه نحو 300 ضابط وجندي و30 عربة قتالية، وهي أرقام كبيرة جدا سوف تزيد من خلخلة المليشيا المخلخلة وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من طبيعة الوحدة التي كان يقودها، ومن دلالاتها على مستوى التصدعات التي قد تطال البنية القيادية والعملياتية للمليشيا. كما شهد يوم 24 أكتوبر انشقاق المقدم جدو محمد آدمو همة، قائد المجموعة 135 وقطاع جنوب نيالا، إلى جانب ستة ضباط آخرين، وفق مصدر عسكري نقلت عنه الجزيرة. وتكشف هذه التطورات المتلاحقة عن استمرار حركة الانشقاقات، بما تحمله من أبعاد عسكرية ومعنوية وتنظيمية.
عقلية فذة:
وقال الخبير العسكري والمحلل الاستراتيجي العميد م محمد فرح إن توالي انشقاق القيادات الميدانية عن مليشيا الدعم السريع وانضمامها إلى القوات المسلحة يعكس تصاعد التصدعات داخل بنيتها القيادية والتنظيمية، مشيراً إلى أن هذه التطورات تتجاوز خسارة الأفراد والآليات إلى ما تحمله من تداعيات على تماسك المليشيا وقدرتها على إدارة العمليات العسكرية.
وأوضح فرح في حديث خص به "سودان On" أن انشقاق قيادات تمتلك معرفة ميدانية بطبيعة الانتشار والتحركات ومراكز القيادة يكتسب أهمية عسكرية واستخباراتية، لما قد يوفره من معلومات تسهم في فهم قدرات الخصم وتقدير تحركاته.
وأضاف أن انتقال القادة والمجموعات المقاتلة إلى صفوف الجيش يمكن أن يترك أثراً معنوياً داخل المليشيا، خصوصاً عندما تتكرر الانشقاقات على مستويات قيادية مختلفة.
ركيزة الامن الوطني:
فيما قال الأكاديمي والخبير الاستراتيجي الدكتور محي الدين محمد محي الدين إن تفكك البنية الداخلية لمليشيا الدعم السريع وتوالي انشقاق قياداتها الميدانية يسلطان الضوء على أهمية الدور الذي تضطلع به أجهزة الاستخبارات في إدارة الحروب الحديثة، مشيراً إلى أن اختراق التنظيمات المسلحة من الداخل يتطلب عملاً تراكمياً قائماً على جمع المعلومات وتحليلها، وفهم مراكز النفوذ وتوازنات المصالح والولاءات.
وأوضح محي الدين في حديث ل "سودان On" أن جهاز المخابرات العامة والاستخبارات العسكرية يمثلان ركيزة مهمة في منظومة الأمن الوطني، بالنظر إلى طبيعة المهام التي يضطلعان بها في رصد تحركات الخصم وتحليل بنيته التنظيمية ومتابعة التحولات داخل صفوفه. وأضاف أن الانشقاقات المتكررة احدثت آثاراً تتجاوز الخسائر البشرية والميدانية، لتطال الروح المعنوية ومستوى الثقة بين القيادات والعناصر، فضلاً عن إرباك منظومة القيادة والسيطرة للمليشيا .
أوأن تفكك المليشيا:
وبذلك تكشف الانشقاقات المتلاحقة داخل مليشيا الدعم السريع عن أن الحروب لا تُحسم دائماً بما يدور فوق الأرض، بل بما يتشكل في الخفاء من تحولات واختراقات وتبدلات في الولاءات.
وبينما تواصل القوات المسلحة معركتها الميدانية، تبرز أهمية الدور الاستخباراتي في رصد التصدعات واستثمار المعلومات وفهم البنية الداخلية للخصم. ويظل جهاز المخابرات العامة والاستخبارات العسكرية أمام اختبار تتجاوز نتائجه حدود المواجهة الراهنة إلى حماية الأمن الوطني وصون استقرار السودان.
فحين تتآكل الثقة داخل صفوف المليشيا، تصبح وحدتها أكثر هشاشة، ويغدو تفككها احتمالاً ترسم ملامحه الوقائع، وتحدّد مساره تطورات الميدان.
نسخ الرابط للمقال
آخبار تهمك
السودان يدشن أول كتاب مطبوع منذ عام 2019
20 أكتوبر 2026 08:42 م
السوداني مهند الدابي بين الفائزين بجائزة كتارا للرواية العربية 2026
16 أكتوبر 2026 06:09 م
جمهور النصري يشعل "السوشيال ميديا" غضباً على شاعرة أغنية ( محيتك) فما القصة؟
10 أكتوبر 2026 10:09 ص
مركز الفضاء العالمي للثقافة والإعلام يحتفي بإرث الفنان الراحل محمد ميرغني
04 أكتوبر 2026 07:52 م
الطيب عبد الماجد يرفع راية السودان.. تتويج عربي جديد بأفضل برنامج اقتصادي
20 سبتمبر 2026 09:35 ص
الأكثر قراءة
-
في أول زيارة منذ توليه منصبه.. نبيل فهمي بالخرطوم لدعم جهود إنهاء الحرب بالسودان
-
وزيرة صحة البحر الأحمر تتعهد بدعم مستشفى الطب النفسي وتوفير الأدوية ومستلزمات الطوارئ
-
حربٌ خلف خطوط النار.. حين تضرب الاستخبارات قلب المليشيا
-
العدل والمساواة الجديدة تدشن نشاطها السياسي بالخرطوم وتدعو لحوار وطني شامل
-
مكافحة المخدرات بالنيل الأبيض تضبط مروجاً بحوزته 460 "رأس بنقو"
أكثر الكلمات انتشاراً