انشقاقات الدعم السريع والعفو العام.. رهانات عسكرية ومسارات قانونية لاستعادة الوحدة الوطنية

السبت، 07 نوفمبر 2026 04:42 م

انشقاقات الدعم السريع والعفو العام.. رهانات عسكرية ومسارات قانونية لاستعادة الوحدة الوطنية

انشقاقات الدعم السريع والعفو العام.. رهانات عسكرية ومسارات قانونية لاستعادة الوحدة الوطنية

إجلال إسماعيل

ناقش سمنار حول انشقاقات قوات الدعم السريع وتداعيات الحرب، انعقد بالفضاء الثقافي، بمشاركة مركز القضايا العالمية وبالتعاون مع وكالة السودان للأنباء (سونا)، الأبعاد العسكرية والمعنوية للانشقاقات، ودورها في إضعاف تماسك القوات، إلى جانب فرص استثمارها في تعزيز المصالحة الوطنية واستعادة النسيج الاجتماعي، مع طرح العفو العام بوصفه أحد المسارات القانونية الممكنة لمعالجة تعقيدات المرحلة الراهنة.

وشهد السمنار مداخلات تناولت اعتذار المقدم محمد أزرق الفنجري عن الفترة التي قضاها في صفوف الدعم السريع، وإعلانه مراجعة موقفه والاستعداد للتعاون مع الجهات المختصة وتقديم ما لديه من معلومات وشهادات بشأن الانتهاكات، حيث أكد في بيان وجهه إلى الشعب السوداني أن اعتذاره لا يمثل طلبًا لإسقاط المسؤولية، وإنما إقرارًا بما حدث واستعدادًا لتحمل تبعات الماضي، مشددًا على أن الولاء يجب أن يكون للوطن لا للأشخاص.

وفي هذا السياق، اعتبر عادل سنادة أن عودة المنشقين تمثل عاملًا مؤثرًا في إضعاف صفوف الدعم السريع عسكريًا ومعنويًا، مشيرًا إلى أن معرفة بعض العائدين بتركيبة القوات وتفاصيل عملها الداخلي يمكن أن تسهم في تعزيز موقف القوات المسلحة والقوات المساندة لها.

وأكد سنادة أن الاعتراف بالانتهاكات وتحمل المسؤولية يمثلان مدخلًا أساسيًا نحو الحقيقة والمصالحة، لافتًا إلى أن معالجة آثار الحرب لا تقتصر على الجوانب العسكرية، بل تتطلب جهودًا اجتماعية وثقافية وإعلامية لإعادة بناء الثقة بين السودانيين ومواجهة خطاب الكراهية والانقسامات التي خلفتها الحرب.

وأشار إلى أن مركز القضايا العالمية يعمل عبر مسارات ثقافية وإعلامية تشمل إشراك الفنانين والدراميين، وتنظيم المبادرات والورش والندوات والدورات التدريبية للصحفيين، بهدف تعزيز اللحمة الوطنية وتوحيد الصف السوداني.

من جانبه، شدد القيادي أحمد صالح صلوحة على أن العودة إلى صف الدولة لا تكفي وحدها ما لم تقترن بالاعتراف الصريح بالانتهاكات والتوبة عن الممارسات التي ألحقت الضرر بالمواطنين، والاستعداد للمساهمة في معالجة آثار الحرب.

وكشف صلوحة عن اتصالات أجراها مع المقدم محمد أزرق الفنجري قبل إعلانه مغادرة صفوف الدعم السريع، مبينًا أن التواصل معه استمر خلال الفترة الماضية بالتنسيق مع جهات مختصة، في إطار مساعٍ لإبعاد بعض أبناء المنطقة عن القتال، مشيرًا إلى أنه كان يتمنى حضوره السمنار للحديث بصورة مباشرة عن تفاصيل تجربته ودوافع مراجعة موقفه.

ودعا صلوحة إلى إطلاق خطة واسعة للاعتراف بالانتهاكات والاعتذار والمصالحة المجتمعية، خاصة في مناطق دارفور وكردفان، مع التأكيد على أن المسؤولية فردية، ولا يجوز تحميل القبائل والمجتمعات بأكملها تبعات أفعال الأفراد، محذرًا من أن آثار الحرب ستظل ممتدة ما لم تصاحب الاعترافات خطوات عملية لإعادة بناء الثقة ومعالجة الأضرار.

وأوضح أن الانشقاقات تمثل سلاحًا مؤثرًا في إضعاف الدعم السريع، ليس على المستوى العسكري فحسب، وإنما من الناحية المعنوية أيضًا، باعتبارها تضعف تماسك القوات وتفتح المجال أمام عناصر أخرى لمراجعة مواقفها، داعيًا إلى توفير مسارات آمنة وقانونية للعائدين بما يسهم في تقليل الخسائر البشرية وإنهاء دائرة الحرب.

وفي المحور القانوني، تناول خبير قانوني صلاحيات العفو العام في التشريعات السودانية، موضحًا أن المادة (37) من قانون الإجراءات الجنائية حددت حالات انقضاء الدعوى الجنائية، من بينها صدور قرار بالعفو عن المتهم من رئيس الجمهورية، إلى جانب وقف الدعوى الجنائية بواسطة النائب العام وفق السلطات المقررة له بالمادة (58).

وأشار إلى أن المادة (211) من القانون منحت رئيس الجمهورية سلطة إصدار العفو العام في غير جرائم الحدود، بشروط أو دون شروط، بعد مشاورة النائب العام، مبينًا إمكانية ربط العفو بالتزامات محددة، من بينها تقديم المعلومات والتعاون مع الجهات المختصة، بما يخدم المصلحة العامة.

وأكد أهمية التمييز بين العفو العام والعفو عن العقوبة، موضحًا أن لكل منهما آثارًا قانونية مختلفة، وأن صدور حكم نهائي يستدعي التعامل وفق التدابير القانونية المقررة، ولا يعني بالضرورة أن العفو العام ينهي آثار الحكم بالطريقة ذاتها.

ولفت إلى أن العفو العام ليس إجراءً مستحدثًا في التشريعات السودانية، مستشهدًا بتجارب سابقة ارتبطت بتسويات ومصالحات سياسية، مشيرًا إلى أن الاستفادة من هذه الآلية في المرحلة الحالية تتطلب مراعاة الضوابط القانونية وتحقيق التوازن بين مقتضيات السلام والمصلحة العامة والعدالة.

وخلصت مداولات السمنار إلى أن الانشقاقات تمثل تطورًا تتجاوز آثاره الجانب العسكري إلى الأبعاد السياسية والاجتماعية، وأن تحويلها إلى فرصة لاستعادة الاستقرار يتطلب الجمع بين تشجيع العودة عبر المسارات القانونية، وكشف الحقائق، ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات، إلى جانب إطلاق مبادرات جادة للمصالحة وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوداني.

search