رشان أوشي تكتب: السودان يواجه أخطر أزماته!
الإثنين، 08 ديسمبر 2025 01:16 م
الكاتبة الصحفية رشان أوشي في دارفور مارس 2022 - معسكر أبو شوك
الجميع يتحدث عن اليوم التالي، عن الاقتصاد الذي يحتاج إلى قبلة الحياة، وعن الاستثمارات الأجنبية التي قد تتدفق يومًا ما، وعن إعادة الإعمار، وعن هندسة الشراكات السياسية، وعن شكل نظام الحكم المرتجى؛ لكن لا أحد يهتم بـ"البنى المجتمعية" التي أصابتها الحرب في مقتل.
السودان بلد كُتب عليه أن يعيش داخل معادلة اجتماعية معقدة؛ مجتمع قليل العدد، موزع على جغرافيا شاسعة تتجاوز حدود الرؤية، تتقاطع داخله نظم القبائل والانتماء العشائري، وترتبط القبيلة بالأرض ارتباطًا يتجاوز علاقة إنتاج ورعي وزراعة. هذه البنى التقليدية شكلت، عبر الزمن، عقدًا اجتماعيًا موروثًا بعلاته، لكنه كان قادرًا على حفظ الحد الأدنى من التوازن بين الجماعات.
ثم جاءت الحرب، فكسرت ذلك العقد تحت نير السلاح والخطاب المعبأ بالكراهية، وأطلقت سراح كل الشروخ الكامنة في الجسد الاجتماعي دفعة واحدة.
في سنار، منع الأهالي عودة معظم سكان قرى "الرزيقات" بعد تحرير المنطقة، لأن بعض أبنائهم استجابوا لخطاب المليشيا. لقد تشكلت ذاكرة جماعية جديدة، تقوم على إعادة تعريف الآخر باعتباره "الخطر الذي كان مختبئًا في الجوار". إنها آلية دفاع اجتماعي، لكنها أيضًا بذرة صراع طويل إذا لم تعد صياغة العلاقات الاجتماعية على أسس العدالة والمكاشفة.
وفي الجزيرة وسنار، بدأت قبل الحرب عملية تفكيك اجتماعي ممنهجة عبر ما عُرف بـ"مؤتمر الكنابي". استثمرت الإمارات عبر أذرعها في النزاعات المكتومة بين سكان الكنابي وأصحاب الأرض من المزارعين؛ فكان خطاب الاستقطاب مغلفًا بمطالب تبدو حقوقية، لكنه في العمق كان يستنهض النار من تحت رماد الصراع التاريخي. وعندما انخرط بعض أبناء الكنابي في صفوف المليشيا، كان ذلك استجابة لنبرة تستحضر إحساسًا قديمًا بالتهميش الاجتماعي، وتعيد صياغة العلاقة بين "الأصلي" و"الطارئ" داخل البنية الاجتماعية. وهكذا تحول الاحتقان إلى استثمار سياسي، فانهار التعاقد الهش الذي شكل لعقود بنية العيش المشترك.
وفي دارفور وكردفان، وصل التفتت الاجتماعي حدًا جعل الجغرافيا الاجتماعية تتحول إلى "أرخبيل" من الجماعات التي تحرسها ذاكرة مثقلة بالثأرات، ذاكرة لم تتعاف أصلًا من جراح عقود طويلة من النزاعات المتراكمة.
الجميع منشغل بتساؤلات الإعمار، لكن السؤال الذي يختبئ تحت الرماد هو الأكثر خطورة: كيف سيلتقي الناس حين يعودون؟
المناطق التي كان يعيش فيها الناس وفق توازنات دقيقة لم تعد كما كانت؛ القرى تغيرت، الأحياء تغيرت، والذاكرة تغيرت. وعندما يعود الناس، سيعودون محملين بما لا يقال في الخطب السياسية.
إن اليوم التالي الحقيقي يبدأ حين نعترف أن الحرب لم تخرب المباني فحسب، بل كسرت الأوعية التي تحتضن العقد الاجتماعي للعيش المشترك. وما لم نصلح هذه الأوعية، سيظل كل ما نبنيه معرضًا للانهيار من جديد.
نسخ الرابط للمقال
آخبار تهمك
تريند السبعينات يجتاح مواقع التواصل في السودان ويعيد الذكريات القديمة
11 فبراير 2026 01:29 م
محمود السراج يرد على اتهامه بالإساءة لمصر: «مستحيل أسيء للبلد أو قيادتها»
31 يناير 2026 10:11 م
«سيد العابرين»… عمل فانتازي جديد لمحمد علي العمري يرى النور عبر دار الريّس
29 يناير 2026 02:26 م
غانا تمنح اليوتيوبر الأمريكي سبيد جواز سفرها تقديرًا لأصوله الإفريقية
29 يناير 2026 10:30 ص
فنان سوداني يحذر الجالية المقيمة في مصر من مخالفة القوانين
28 يناير 2026 09:06 م
مأمون سوار الدهب يوضح موقفه من زواج طليقته
24 يناير 2026 12:23 م
الأكثر قراءة
-
السفارة السودانية بلندن تحتفل باليوم الثقافي ضمن فعاليات ذكرى 70 عامًا للاستقلال
-
تعزيز الإنتاج الحيواني في النيل الأبيض خلال زيارة الوزير أحمد التجاني المنصوري
-
استعداد ولاية سنار لانطلاق امتحانات الشهادة الابتدائية
-
لجان فنية وطنية تشرف على تأهيل كبري الحلفايا لضمان جودة التنفيذ
-
دوري أمم أوروبا 2026: مجموعات نارية وصدامات مبكرة بين كبار القارة
أكثر الكلمات انتشاراً