رشان أوشي تكتب.. الزبائنية: كيف يعاد تشكيل الدولة من الداخل؟ (1)
الجمعة، 12 ديسمبر 2025 02:45 م
الكاتبة الصحفية رشان أوشي
أصبح "الفساد" قدراً مظلماً يخيم على البلاد، وفي طريقه لأن يتحول إلى بنية اجتماعية كاملة تتراكم طبقاتها في الوعي الجمعي. وحين يطول الظلم ويتمكن الفساد، تتعثر النهضة لأن الروح الوطنية تصاب بالإرهاق، وهو ذلك الإنهاك الذي يصيب المجتمع عندما تختطف قواعد العدالة، وتنهار قيم التضامن، وتصبح الدولة جهاز بلا روح.
ما يواجه السودانيين ليس فقط الحرب التي تهز أطراف البلاد، بل البنية العميقة للمجتمع التي تتعرض لتشققات خطيرة. مع كل يوم يمر، يتزايد خطر تفكك الكيان الجمعي، وهو ذلك الانهيار البطيء في الروابط التي تشد الناس إلى وطن واحد، ومصير واحد، وذاكرة مشتركة.
وفي ظل هذا الاضطراب، وانشغال الناس بالحرب وأهوالها، تعمل مجموعات نافذة على نخر مؤسسات الدولة في العظم. إنها عملية تمكين جديدة، ولكنها هذه المرة لا تستند إلى أيديولوجيا أو مشروع سياسي، بل إلى فكرة "الغنيمة"، حيث يعاد توزيع المال العام والنفوذ وفق المصالح الشخصية.
وفي العاصمة الإدارية "بورتسودان"، تتبدى هذه الصورة بأوضح تجلياتها.
ملايين الدولارات أُنفقت على صيانة وتأهيل مبانٍ حكومية خارج إطار قانون الشراء والتعاقد؛ لم تُطرح عطاءات كما يقتضي القانون، بل مُنحت الامتيازات لشركات بعينها عبر طرق خاصة، فالمؤسسات هنا لا تُدار وفق القانون، بل وفق شبكات النفوذ التي تعمل في الظل.
الأمر لا يتوقف عند المباني. معظم المشتريات الحكومية تنفذ عبر أفراد ووسطاء وسماسرة، حيث تصبح العمولات جزءًا من "العرف غير المكتوب" الذي يحكم حركة المال العام.
ذات مرة، احتاجت الدولة إلى شراء معدات طبية، فتقدمت إحدى الشركات بعرض بقيمة ٧٠٠ ألف دولار، لكن تم استبعادها لصالح شركة أخرى باعت الأجهزة ذاتها بقيمة مليون دولار.
وبالتوازي مع التجاوزات المالية، تجري عملية إحلال وإبدال ناعمة داخل مؤسسات الدولة. إقالات تتم بلا معايير مهنية، وتعيينات تُصنع على مقاس الولاء الشخصي. على سبيل المثال، تمت إقالة الأمين العام للمجلس الأعلى للسكان واستبدالها بزوجة أحد كبار الموظفين في مشهد يكشف انتقال الدولة من منظومة الخدمة العامة إلى نظام (الزبائنية)، حيث تُعاد هندسة الجهاز الإداري وفقًا لشبكات المصالح لا للكفاءة.
إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس الحرب وحدها، بل هذا التآكل الهادئ في عظام الدولة. فالبلاد قد تتجاوز المعركة العسكرية، لكنها قد تجد نفسها أمام حرب أخرى أكثر عمقًا، حرب على معنى الدولة نفسها، على قيمها، على الثقة العامة التي هي أساس العقد الاجتماعي.
إذا استمر هذا النخر، فإن الكيان السوداني سيصبح معرضًا للتشظي، لأن الدول لا تسقط بنيران المدافع فقط، بل قد تنهار بصمت عندما تختطف مؤسساتها من الداخل.
نسخ الرابط للمقال
آخبار تهمك
مركز الفضاء العالمي للثقافة والإعلام يحتفي بإرث الفنان الراحل محمد ميرغني
04 أكتوبر 2026 07:52 م
الطيب عبد الماجد يرفع راية السودان.. تتويج عربي جديد بأفضل برنامج اقتصادي
20 سبتمبر 2026 09:35 ص
العيلفون تفتح أبواب التمكين.. ملتقى المرأة المنتجة يدعم مشروعات نساء شرق النيل
20 سبتمبر 2026 09:22 ص
«أون سودان» تكشف حقيقة عقد قران الفنانة مكارم بشير
14 سبتمبر 2026 03:55 م
في ختام ورشة واقع الصحفيين في السودان.. عبدالماجد عبد الحميد يدعو لحماية أخلاقيات المهنة
27 أغسطس 2026 02:41 م
الأكثر قراءة
-
اكتمال تركيب 202 كاميرا مراقبة لتعزيز الأمن ومكافحة الجريمة بالخرطوم
-
تحت شعار "تعلم المهارات التقنية .. اصنع مستقبلك" .. الكشافة السودانية تختتم كورس الأردوينو وصناعة الروبوت
-
إشادة عربية بتعافي خدمات نقل الدم في السودان.. «عمل عظيم» رغم تداعيات الحرب
-
شركات بترولية وطنية تدفع بمذكرة لمجلس السيادة تطالب بمراجعة ضوابط استيراد الوقود وإنهاء الاحتكار
-
البرهان يؤكد مواصلة الحسم العسكري ويشيد بدعم أهالي أمري للقوات المسلحة
أكثر الكلمات انتشاراً