د. عصام الدين بدري يكتب.. في ذكرى الاستقلال
السبت، 20 ديسمبر 2025 12:25 ص
د عصام الدين بدري
سبعون عامًا على استقلال السودان وخروج المحتل، ويأتي العيد والبلاد تحيط بها المؤامرات والأزمات من كل جانب، ولا تزال الحرب تدور رحاها، ويجتهد أبناؤها المخلصون للذود عنها، مسنودين بالدعم الشعبي ودعوات الصالحين، بينما اختارت القلة منهم الارتماء في أحضان العمالة والارتزاق، فسقطوا أمام الشعب والوطن. كان علينا في هذه المناسبة العظيمة أن نرتقي بعيد استقلالنا، وأن نعيد النظر إلى الوراء: ماذا كسبنا من هذا الاستقلال؟ وأن نجعل من الاحتفال بعيد الاستقلال فرصة للمراجعة والدراسة لنعرف أين نقف، وماذا علينا أن نفعل، نعدد إخفاقاتنا، ونستلهم العبر من ماضينا، ونؤسس للإصلاح.
لا بد أن يكون العيد فرصة للعصف الذهني في موضوعات الوحدة الوطنية والهوية، وإشكالية المركز والولايات، والاقتصاد والسياسة، وتفجير الطاقات. ولكن في ظل غياب النادي السياسي وانعدام الرؤية، لا نتعشم سوى في احتفال تقليدي سطحي يمر كغيره من الأعياد.
بالنظر إلى الدولة السودانية، نجد أن المؤسسة العسكرية هي المؤسسة الوحيدة التي ظلت متماسكة منذ الاستقلال، رغم الحروب الطويلة التي خاضتها، وعمليات الأمن الداخلي التي نفذتها، ورغم الاستقطاب الذي تعرضت له يمينًا ويسارًا، صمدت ولا تزال، حتى في هذه الحرب، تحافظ على الدولة السودانية من الضياع والتمزق.
فلنجعل من هذا العيد فرصة لدعمها، وإنزال شعار «جيش واحد، شعب واحد» إلى أرض الواقع، فثبات هذه المؤسسة يُعد ركيزة يمكن البناء عليها للنهوض بالدولة السودانية من وهدتها الطويلة.
لقد كان استقلال السودان نتيجة مجاهدات وتضحيات قام بها الرعيل الأول من صناع الاستقلال من العسكريين والمدنيين.
وربما يجهل كثير من شبابنا الدور الكبير الذي قامت به القوات المسلحة في تحقيق الاستقلال وطرد المحتل، وسأحاول في هذا المقال التطرق إلى بعض هذه الجهود.
عرف السودانيون الجندية والعسكرية منذ آلاف السنين في الممالك المختلفة قبل الميلاد، ثم الممالك التالية المسيحية والإسلامية، ولكن يمكن القول إن التكوين المنضبط للجيش السوداني بوضعه الحالي بدأ في أواخر عهد المهدية، والتي انتهت دولتها عمليًا بمعركة كرري في سبتمبر 1898م، وبدأ عهد الاستعمار البريطاني. وأول مقاومة واجهها كانت تمرد الأورطة 14 في (تلودي) في العام 1900م، حيث قام الجنود السودانيون بكسر مخزن السلاح واعتقال الضباط البريطانيين كأول تحرك ثوري ضد المحتل.
بعدها شرع الاستعمار الإنجليزي في تدريب جيش قومي وطني في السودان، محاولةً لإخماد ثورة التمرد في (أورطة تلودي) ومحاصرة تلك الظاهرة وضمان عدم انتشارها في الأورطات الأخرى، كما اتجهوا إلى فتح المدرسة الحربية لتخريج ضباط وطنيين سودانيين وفق رؤيتهم لقيادة الكتائب الأخرى في العام 1905م.
استوعبت المدرسة الحربية عند افتتاحها عدد (7) ضباط سودانيين، وتخرجوا في العام 1907م. وفي العام 1917م أنشأوا (فرقتي العرب الشرقية والغربية) لإجبار الناس على الدخول في التجنيد العسكري، وإبعاد الحس الوطني من الجنود السودانيين من خلال الجرعات التدريبية بمراكز التدريب التي يشرف عليها الضباط البريطانيون.
العام 1919م شهد (ثورة سعد زغلول) في مصر، والتي كانت تنادي بإبعاد المستعمر من أفريقيا وأن تنال الشعوب استقلالها، وكان لها أثرها الإيجابي على الجيش السوداني وتفكير الضباط والأفراد، مما أدى إلى ظهور الجمعيات السرية التي تنادي بالاستقلال ومناهضة الاستعمار وبث الكراهية ضده. حيث نشأت أول جمعية في العام 1921م باسم جمعية الاتحاد، التي أسسها عسكريون من دفعة واحدة من خريجي المدرسة الحربية تخرجوا في 1907م، وكانت الجمعية برئاسة البك باشا (العميد) خلف الله خالد، الذي أصبح وزيرًا للدفاع في أول حكومة مستقلة في السودان.
وضمت كذلك عددًا من الضباط، منهم إبراهيم عبود، مع مجموعة من المدنيين، منهم محمد صالح الشنقيطي. ووضعت الجمعية ضمن أهدافها العمل في السر لمناهضة المستعمر ونشر الكراهية وسط الشعب السوداني. وفي العام 1923م أسس الملازم أول علي عبد اللطيف جمعية اللواء الأبيض، التي كانت تجاهر بمعاداة المستعمر والمطالبة بالاستقلال، مما أدى إلى القبض عليه وسجنه.
وفي العام 1924م كان تمرد الطلبة الحربيين وتسيير مظاهرة إلى منزل علي عبد اللطيف وتحية زوجته، وهو ما أدى إلى سجن الطلبة في باخرة كانت في مياه النيل، وتم إغلاق المدرسة الحربية. بعدها، وفي العام 1925م، تم تكوين قوة دفاع السودان، وذلك بعد سحب الجيش المصري إلى مصر على خلفية أحداث القاهرة ومقتل السير لستاك.
في بداية الثلاثينيات ظهرت بوادر حرب عالمية، الأمر الذي جعل الإنجليز يفكرون في الاستفادة من قوة دفاع السودان في هذه الحرب، فأعادوا فتح المدرسة الحربية في العام 1935م. وعندما أصبحت الحرب أمرًا واقعًا، عُقد اجتماع بمعسكر المسلمية بالجزيرة، كان هدفه مشاركة قوة دفاع السودان في الحرب إلى جانب بريطانيا. وقتها اشترط الضباط السودانيون أن ينال السودان استقلاله إذا انتصرت دول الحلفاء في الحرب، وعُقد الاجتماع لهذا الغرض، وحضره مدير المستعمرات البريطانية، ووافق على منح السودان استقلاله. وعلى ذلك شاركت قوة دفاع السودان في الحرب، وأبلت بلاءً حسنًا مدونًا في سجلات التاريخ، وانتصرت دول الحلفاء، ولم يفِ الإنجليز بوعدهم، مما جعل التذمر يسود الضباط والصف والجنود في قوة دفاع السودان.
وتشكلت حركة الضباط الأحرار المعروفة، وتصاعد التذمر وبلغ ذروته في العام 1945م، مما جعل الإنجليز يستجيبون لمطالب قوة دفاع السودان، وقرروا منح السودان استقلاله في نوفمبر 1953م، ولكن لم يفِ الإنجليز بالموعد، إلى أن جاء يوم 14 أغسطس 1954م، حيث قاموا بسودنة الجيش، وتم إعلان الفريق أحمد محمد كأول قائد عام سوداني، ثم توالت بعد ذلك سودنة الوظائف. وفي 19 ديسمبر 1955م أُعلن الاستقلال من داخل البرلمان، ليتم الإعلان الرسمي في الأول من يناير 1956م.
دور كبير قامت به القوات المسلحة في تحقيق الاستقلال، ولكن اللافت أن كل هذه الجهود لم تكن بمعزل عن المدنيين، وكان التلاحم حاضرًا بين العسكر والمدنيين، وكان التنسيق كبيرًا بينهم في الجمعيات السرية ومؤتمر الخريجين وإضراب طلاب مدرسة غردون، فكان الحراك يسير جنبًا إلى جنب حتى خرج المحتل وأُعلن الاستقلال.
ما أحوجنا اليوم إلى هذا التلاحم والتنسيق، واستلهام العبر والدروس، فهذه الفترة أشبه بفترة ما قبل الاستقلال، ولا بد لنا من أن نتماسك ونرتقي بحسنا الوطني، ونوحد جهودنا لطرد المعتدي كما فعل الأجداد. فهل سنفعل؟
نسخ الرابط للمقال
آخبار تهمك
صورة جديدة لقائد الحرس الجمهوري السابق تشعل نقاشاً واسعاً في السودان
22 فبراير 2026 11:18 ص
سلمى سيد تعلن اعتزالها بعد رحلة تلفزيونية طويلة
22 فبراير 2026 09:23 ص
مدير «زادنا» يوضح حقيقة أغنية «نفع بلدو» بعد الجدل المثار
18 فبراير 2026 10:35 ص
السعودية تحدد موعد تحري رؤية هلال رمضان لعام 1447هـ
15 فبراير 2026 11:15 م
تريند السبعينات يجتاح مواقع التواصل في السودان ويعيد الذكريات القديمة
11 فبراير 2026 01:29 م
محمود السراج يرد على اتهامه بالإساءة لمصر: «مستحيل أسيء للبلد أو قيادتها»
31 يناير 2026 10:11 م
الأكثر قراءة
-
صورة جديدة لقائد الحرس الجمهوري السابق تشعل نقاشاً واسعاً في السودان
-
الخارجية السودانية تدين إستقبال الحكومة الأوغندية للمجرم حميدتي
-
كوريا الجنوبية تُخلي مناطق سكنية بعد اندلاع حرائق غابات واسعة
-
تعزيزات من سلاح المظلات تصل إلى الفرقة الرابعة مشاة بالدمازين في النيل الأزرق
-
والي الشمالية ووكيل الصحة يبحثان احتواء حمى الضنك بمروي
أكثر الكلمات انتشاراً