دول جوار السودان: الجغرافيا لا تحترم الأوهام السياسية

السبت، 10 يناير 2026 04:14 م

د. حسين عمر عثمان

د. حسين عمر عثمان

د. حسين عمر عثمان

لم يكن السودان، عبر تاريخه الحديث، دولةً هامشية في محيطه العربي أو الأفريقي، بل شكّل في محطات مفصلية فاعلًا رئيسيًا في مسارات التحرر الوطني ومواجهة الاستعمار، ورافعةً للتضامن العربي والأفريقي، وساحةً للتلاقي في أوقات الأزمات. وعلى امتداد عقود طويلة، راكم السودان رصيدًا سياسيًا وأخلاقيًا معتبرًا في علاقاته الإقليمية، تأسّس على مبادئ حسن الجوار، واحترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتغليب المصالح الجماعية على الحسابات الضيقة. غير أن الحرب التي اندلعت كشفت عن مفارقة مؤلمة بين هذا الرصيد التاريخي والسلوك العملي لكثير من دول الجوار، فقد بدا جليًا أن دعم السودان، بوصفه دولةً ومجتمعًا يواجه تهديدًا وجوديًا، لم يرتقِ إلى مستوى حجم الأزمة وخطورتها. وتراوحت المواقف بين حياد بارد، وتحفّظ حذر، ومواقف أخرى أثارت تساؤلات مشروعة حول حدود الالتزام بمبادئ حسن الجوار، بل وحول مدى تغليب المصالح الآنية على استقرار الإقليم برمته.ولا يمكن قراءة هذه المفارقة قراءةً أخلاقية أو سطحية، أو اختزالها في ثنائية (الوفاء والنكران)، إذ تعكس في جوهرها تحولات أعمق في بنية علاقات الجوار، وطبيعة الدولة، ومنطق المصالح والخوف الذي يحكم سلوك الدول عند انفجار الصراعات. ففي أدبيات الواقعية السياسية، تُدار العلاقات الدولية باعتبارات القوة والمصلحة، لا الذاكرة ولا الامتنان. وفي غياب سلطة عليا ضامنة، تتصرف الدول وفق منطق حماية البقاء، وتعيد تعريف تحالفاتها وشراكاتها تبعًا لميزان التهديدات والمصالح، لا وفق السرديات التاريخية. وفي لحظات الحروب الأهلية، تتراجع الاعتبارات الأخلاقية لصالح حسابات البقاء، غير أن النزاعات لا تبقى حبيسة حدودها الوطنية، بل تعبرها عبر موجات اللجوء، وانتشار السلاح، وتنامي الاقتصاد غير المشروع، وتفكك الضبط الأمني. ومن ثم تميل دول الجوار، خصوصًا تلك التي تعاني هشاشة داخلية، إلى تبنّي سياسات التحوّط وإدارة المخاطر بدل سياسات الدعم والمؤازرة.والتاريخ الأفريقي والعربي حافل بأمثلة لدول اعتقدت أن النار ستبقى خارج أسوارها، فاكتشفت متأخرة أن الجغرافيا لا تحترم الأوهام السياسية، وأن الواقع المكاني والحدودي والجيواستراتيجي يفرض نفسه مهما حاولت الخطابات أو التصورات القفز عليه.ومن هنا تجدر الإشارة إلى أن دول الجوار الأفريقي المباشر للسودان تعيش بدورها توترات سياسية واقتصادية وأمنية، ما يجعلها دولًا غير محصّنة بالكامل، وإن صُنّفت أو لم تُصنّف كدول هشّة وفق مؤشرات صندوق السلام (The Fund for Peace)، الذي يعتمد على اثني عشر مؤشرًا أمنيًا واقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا. فهي دول معرّضة لانفجارات داخلية محتملة في أي وقت. في المقابل، دول الجوار العربي في وضع تنعم بالاستقرار باستثناء ليبيا، وهو ما يبعث الأمل في إمكانية مساهمتها الإيجابية في دعم استقرار الإقليم بما يعود بالنفع المشترك. في الحالة السودانية، تبدو دول الجوار الأفريقي أمام خيارات مربكة: هل تنخرط بعمق في مسار دعم الدولة؟ أم تراقب من بعيد؟ أم تعيد تموضعها وفق ميزان قوى متغيّر؟ وغالبًا ما كان الخيار الأقل كلفةً سياسية هو المفضّل، حتى وإن لم يكن الأكثر مسؤولية أخلاقيًا أو استراتيجيًا. فتجنّبت كثير من هذه الدول التورّط في أزمة مفتوحة، وتعاملت مع السودان بمنطق (إدارة المخاطر) لا بمنطق مساندة دولة مهددة بالانهيار.ويُضاف إلى ذلك غموض الشرعية في نظرها حين تتعقّد صورة السلطة داخل الدولة، فيسود سؤال الشريك: من يمثّل الدولة؟ من يمتلك الشرعية؟ من سيبقى في نهاية المطاف؟ وهو ما يدفع بعض الأطراف إلى تأجيل الالتزام الكامل أو توزيع رهاناتها بين الأطراف المختلفة. ولا يمكن إغفال ضعف الفعل الدبلوماسي السوداني، خاصة تجاه الفضاء الأفريقي، في تسليط الضوء على الانتهاكات الجسيمة، ولا سيما تلك التي اتخذت طابعًا عرقيًا في إقليم دارفور، وما يترتب عليها من مخاطر تتجاوز حدود السودان وتطال الإقليم بأسره. ومع ذلك، برزت مواقف مشرفة لبعض الدول العربية، خاصة المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، اتسمت بقدر من التمايز، سواء عبر دعم سياسي مباشر لوحدة السودان، أو عبر رفض صريح لانهيار الدولة ومؤسساتها. وهذا التمايز، مهما اختلف تقييمه، يعكس سياسة عقلانية وأخلاقية تقوم على إدراك المصالح بعيدة المدى، لا مجرد التلويح بشعارات أخلاقية عابرة. خلاصة القول إن ما يواجهه السودان اليوم لا يقتصر على حرب داخلية مدمرة، بل يمتد ليشكّل اختبارًا قاسيًا لمنظومة الجوار، خاصة الأفريقي. فإما أن يُعاد تعريف حسن الجوار بوصفه مصلحة مشتركة تقوم على منع انتقال الفوضى، ودعم الدولة الوطنية، واحترام السيادة، أو يستمر منطق إدارة الأزمات بدل حلّها، بما يحمله ذلك من مخاطر مؤكدة على الجميع. إن استقرار السودان ليس قضية سودانية خالصة، بل شرط أساسي لاستقرار الجوار الأفريقي والعربي معًا. وأي قراءة سياسية تتجاهل هذه الحقيقة قد تنجح في تبرير المواقف الآنية، لكنها تفشل حتمًا في استشراف المستقبل. فالجغرافيا، في نهاية المطاف، لا تحترم الأوهام السياسية.وما لم تدرك دول الجوار أن كلفة انهيار السودان ستكون أعلى بكثير من كلفة دعمه اليوم، فإن المنطقة بأسرها ستدفع ثمن سياسة الانتظار والحياد البارد. فالدول لا تعيش في جزر معزولة، والأزمات لا تعترف بالحدود، والتاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه. إن الاستثمار في استقرار السودان اليوم هو استثمار في أمن الإقليم غدًا، وأي تأخير في هذا الإدراك لن يؤدي إلا إلى توسيع دائرة الفوضى وتعقيد فرص الخروج منها. فحين تحترق الدولة في خاصرة الجوار، لا يبقى أحد في مأمن من الشرر المتطاير.

search