د.حسين عمر عثمان يكتب: السودان والإمارات أمام محكمة العدل الدولية - التحديات القانونية والسياسية
الخميس، 10 أبريل 2025 02:56 م
حسين عمر عثمان
في تطور قانوني يعكس تحولًا في العلاقات بين الدول الاعضاء بجامعة الدول العربية، تقف دولة عربية في قفص الاتهام أمام المحكمة بجريمة إبادة جماعية ضد مواطني دولة عربية أخرى. فقد تقدمت الحكومة السودانية بدعوى أمام محكمة العدل الدولية، تتهم فيها دولة الإمارات العربية المتحدة في المشاركة الجنائية في جريمة إبادة جماعية ارتُكبت ضد قبيلة المساليت في إقليم دارفور، خلال موجة العنف التي أعقبت اندلاع الحرب في السودان عام 2023. وتستند الدعوى إلى اتهام الإمارات بتقديم دعم لوجستي ومالي لقوات الدعم السريع، التي تُتهم بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين في السودان عامة، وفي غرب دارفور بشكل خاص "موضوع الدعوى" .هذه الدعوى لا تمثل مجرد إجراء قانوني لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات، بل تفتح بابًا واسعًا للنقاش حول التحديات والأبعاد القانونية والسياسية لمساءلة الدول أمام القضاء الدولي، وحدود القانون الدولي في وقف الفظائع وحماية الضحايا والشعوب من الانتهاكات .من الناحية القانونية، تستند الدعوى إلى اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها بموجب القوانين الدولية، والتي تهدف إلى الحيلولة دون وقوع هذه الجرائم، ومعاقبة المسؤولين عنها، سواء كانوا أفرادًا أو مسؤولين حكوميين أو كيانات رسمية. ويتطلب إثبات الجريمة توفر ركنين أساسيين، وهما: الركن المادي، الذي يتمثل في الأفعال المادية ضد جماعة قومية أو عرقية محددة، والركن المعنوي، الذي يتمثل في النية لتدمير تلك الجماعة كليًا أو جزئيًا. تُعد مسألة إثبات النية من أعقد أركان الجريمة إثباتًا في القوانين المحلية والدولية، إذ لا يكفي ارتكاب الفعل، بل يجب إثبات أن الجاني تعمّد تدمير الجماعة المستهدفة، وهو ما يُستدل عليه من سلوكيات وأوامر وتوجيهات وتخطيط ممنهج. وكما هو معروف في القضايا الجنائية، لا تعني البراءة بالضرورة انعدام الجريمة أو براءة المتهم، بل قد تكون نتيجة لعدم كفاية الأدلة، ما يُحتّم على فريق الادعاء السوداني أن يستند إلى خبرة قانونية وأدلة قوية تضمن إقناع المحكمة. ويقع على عاتقه عبء الإثبات الكامل دون أن يترك مجالًا للشك المعقول. وفي مثل هذه القضايا، تزداد صعوبة ربط كيان الدولة المتهمة بالأفعال الإجرامية، ما يتطلب بناء سلسلة من الأدلة المترابطة التي توضح تورط الدولة من خلال الدعم أو التوجيه أو العلم المسبق.وتتضاعف التحديات في حالة جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الانسانية، كونها من الجرائم الكبيرة، التي غالبًا ما تقع في سياق حروب أو نزاعات مسلحة، وتشارك فيها أطراف متعددة، وتتأثر بمصالح دولية متشابكة. ومن أبرز هذه التحديات: إثبات النية الخاصة لتدمير الجماعة المستهدفة، وصعوبة جمع الأدلة في بيئة نزاع، وتوثيقها وحمايتها، والضغوط السياسية والدبلوماسية التي قد تعرقل سير العدالة أو تنفيذ الأحكام، وبطء الإجراءات القضائية، وتعقيدها، وطول أمد المحاكمات.ولكي تنجح الدعوى السودانية المقدمة أمام المحكمة، يتعين على الادعاء أن يُثبت أن الإمارات قدمت دعمًا عسكريًا وماليًا لقوات ارتكبت أفعالًا يمكن أن تُصنَّف ضمن جرائم الإبادة، وأنها كانت على علم أو يُفترض أن تكون على علم بأن هذا الدعم قد يؤدي إلى تلك الجرائم. كما يجب تقديم أدلة قوية مثل المستندات، وشهادات الشهود، والقرائن التي تدل على وجود الجريمة، ونية الاشتراك أو الاتفاق الجنائي أو التواطؤ على ارتكابها. أما من الناحية السياسية، فالدعوى لا تُقرأ فقط من منظور قانوني، فالتوقيت الذي قرر فيه السودان رفع الدعوى، في ظل الحرب المستمرة داخليًا، يُعد رسالة سياسية إلى المجتمع الدولي، تشير إلى أن قوى إقليمية تلعب دورًا متآمرًا في النزاع السوداني. واتهام دولة عربية، وتحديدًا الإمارات، يُعد تطورًا خطيرًا في العلاقات الدولية. كما تُلقي السياسة الدولية بظلالها على مثل هذه الحالات، إذ إن تنفيذ قرارات محكمة العدل الدولية في حال كسب السودان للدعوى، مرهون إلى حد كبير بالإرادة السياسية للدول، وتوازن القوى في مجلس الأمن. ما يعني اذا أُدينت دولة ما بارتكاب الجريمة، فإن المساءلة الفعلية تظل مرهونة باعتبارات سياسية قد تتجاوز المسار القضائي. في الختام، تمثل هذه الدعوى اختبارًا قانونيًا وأخلاقيًا لمدى قدرة القانون الدولي على مساءلة الدول عن الجرائم ضد الشعوب، وسط تعقيدات سياسية ودبلوماسية. وتبقى العدالة، في مثل هذه القضايا، رهينة بالتوازن بين قوة الأدلة، واستقلال القضاء، وإرادة المجتمع الدولي في تنفيذ القانون.
نسخ الرابط للمقال
آخبار تهمك
الطيب عبد الماجد يرفع راية السودان.. تتويج عربي جديد بأفضل برنامج اقتصادي
20 سبتمبر 2026 09:35 ص
العيلفون تفتح أبواب التمكين.. ملتقى المرأة المنتجة يدعم مشروعات نساء شرق النيل
20 سبتمبر 2026 09:22 ص
«أون سودان» تكشف حقيقة عقد قران الفنانة مكارم بشير
14 سبتمبر 2026 03:55 م
في ختام ورشة واقع الصحفيين في السودان.. عبدالماجد عبد الحميد يدعو لحماية أخلاقيات المهنة
27 أغسطس 2026 02:41 م
الأكثر قراءة
-
تزامناً مع اليوم الوطني الـ96.. 4000 مستفيد و400 عملية في انطلاق برنامج "نور السعودية" التطوعي ببورتسودان
-
مركز فضل محمد خير يعلن 1000 منحة جامعية مجانية لطلاب الشهادة الثانوية
-
مساعد آلي للرد الفوري على استفسارات التقديم الإلكتروني للجامعات
-
أزمة مواصلات حادة وارتفاع في الأسعار بأم درمان
-
تمديد حالة الطوارئ في النيل الأزرق لمدة 3 أشهر
أكثر الكلمات انتشاراً