كيف تآمر أخطبوط الفساد الإداري على ممتلكات الشعب ؟

الجمعة، 08 مايو 2026 07:20 م

رشان أوشي

رشان أوشي

رشان أوشي


 

نضع هذه القضية، وغيرها الكثير بين يدي هيئة النزاهة والشفافية، وهي الهيئة التي استحدثها رئيس الوزراء د.كامل  ادريس وعهد برئاستها إلى "ثعلب المباحث" الفريق عابدين الطاهر، بهدف حماية المال العام ومكافحة الفساد المستشري.

داخل أروقة شركة السودان للأقطان، إحدى أعرق المؤسسات الاقتصادية الحكومية، تكشف الوقائع عن شبكة معقدة من التعاقدات والارتباطات المالية المشبوهة. 

لقد تحولت الشركة تدريجياً من مؤسسة عامة مؤتمنة على أصول الدولة إلى شركة مثقل بالمديونيات، ومحاصرة بشركات تدور في فلك ضيق من المصالح الخاصة.


تشير المعلومات الموثقة إلى أنه في أغسطس 2022، وقعت شركة السودان للأقطان عقداً مع شركة "متكوت للتجارة العالمية المحدودة" لتأهيل وصيانة المحالج التي نفذتها شركة "بالكان" التركية. هذا العقد يمثل نموذج بشع  لاستغلال النفوذ؛ حيث منحت المادة العاشرة منه شركة "متكوت" امتيازاً حصرياً لمدة سبع سنوات، يشمل أعمال الصيانة، التأهيل، واستجلاب قطع الغيار والمعدات.


هذا الامتياز الواسع حول الشركة الخاصة إلى المتحكم الوحيد في البنية الصناعية للمحالج. والمفارقة الصادمة هي أن "متكوت" لم تنجز التزاماتها الأساسية، فلا صيانة تمت ولا معدات استجلبت، ومع ذلك، وقفت إدارة "الأقطان" مكتوفة الأيدي دون اتخاذ أي إجراء قانوني أو إداري يحمي حقوق الدولة.لماذا؟ هذا ما سنكشف عنه.


بدلاً من المحاسبة، تمت مكافأة الشركة المقصرة


ففي 17 ديسمبر 2024، صدر قرار إداري بتشكيل لجنة لحساب "الأرباح المستحقة" وتوزيعها بين الطرفين، رغم عدم اكتمال الأعمال الموجبة للربح! تتجلى أبعاد المؤامرة حين نعلم أن شركة السودان للأقطان تمتلك 40% من أسهم "متكوت". هذا الربط المباشر يضع المعاملات تحت طائلة "الأطراف ذات العلاقة" وفق معيار المحاسبة الدولي رقم (24)، الذي يفرض قيود صارمة لمنع تضارب المصالح واستغلال نفوذ الوظيفة العامة، وهو ما تم ضربه عرض الحائط في هذه الشراكة المريبة.


لم يتوقف التجاوز عند العقود المشبوهة، بل امتد لابتلاع الأصول العقارية. فقد وجه المدير العام  السابق لشركة السودان للأقطان بتشكيل لجنة العقارات لتقييم أصول استراتيجية تشمل:(مبنى الاستراحة،مبنى مدرسة القبس،مبنى الاستخبارات،مبنى العاملين).
كان الغرض من هذا التقييم الذي كلف ميزانية الدولة (915) ألف جنيه لمكتب استشاري، هو التمهيد للتنازل عن هذه العقارات لصالح "متكوت" مقابل مديونيات مشكوك في تفاصيلها. والأدهى من ذلك، قيام وزير التجارة السابق برئاسة لجنة لمعالجة هذه المديونية، وطرح خطة لتسييل أصول الشركة لسداد نحو 7 ملايين دولار، لصالح شركتي "الدهناء" و"متكوت".


تكشف المعلومات الموثقة،  أن شركة "الدهناء"، التي تولت الأعمال المدنية، وقعت عقدها قبل شهرين من تاريخ تأسيسها الرسمي! كما أن أصحابها تربطهم صلة قرابة بمدير أسبق لشركة السودان للاقطان، وامتدت هذه الشبكة لتشمل الجانب الاستشاري؛ حيث سُحبت الأعمال من شركة "أس تي بي" وتم منحها لشركة "كامب نو"، وهي شركة أسستها "متكوت" نفسها بالتعاون مع آخرين.  
وبهذا.. فقد أصبحت الشبكة الأخطبوطية واضحة، التنفيذ، الاستشارات، التشغيل، والصيانة.. جميعها تصب في جيوب مجموعة واحدة مترابطة من الشخصيات والمصالح.

بلغ الاستهتار بالمال العام مداه بدفع 97,000 دولار (تعادل 70% من قيمة قطع غيار لم تصل أبداً)، وتسليم شركة "متكوت" مبالغ نقدية وأقطان  تجاوزت قيمتها 1.5 مليار جنيه سوداني. وحين واجه المراجع العام الإدارة عن سر صمتها تجاه ضياع هذه الأموال، جاء الرد بلا خجل:" رسوم التقاضي باهظة ولا نملك ميزانية لدفعها" هكذا وببساطة، تعجز شركة تملك أصول بالمليارات عن دفع رسوم محكمة لاسترداد حقوق الشعب، لكنها لا تعجز عن منح ذات الشركة، المزيد  من العقود والامتيازات.


هذه القضية، تعتبر قطرة في بحر من الفساد الممنهج الذي يستنزف ما تبقى من جسد الاقتصاد السوداني المنهك بالحروب والأزمات. هي دعوة عاجلة لهيئة النزاهة والشفافية: هل يتحرك "ثعلب المباحث" لمحاسبة هذا الأخطبوط الإداري، أم تظل أصول الدولة غنيمة لموظفين خانوا أمانة التكليف، وقاموا بدق اسفين في ثقة الشعب بقيادته.


في الحلقة القادمة: كيف انفقت الإدارة السابقة لشركة السودان للاقطان أموال الشعب في مهام مزيفة؟ 
محبتي واحترامي
 

search