إجلال إسماعيل تكتب.. (ملاك) بدرجة وزير.. صديق حسن فريني

الأربعاء، 23 سبتمبر 2026 12:48 م

اجلال إسماعيل

اجلال إسماعيل

إجلال اسماعيل

  في زمن أثقلت فيه الحرب كاهل الناس، وأصبحت المسؤولية الاجتماعية أكبر من أن تُدار من خلف المكاتب، تبرز الحاجة إلى مسؤول يرى المنصب تكليفاً، ويضع الإنسان في قلب اهتمامه، ويتلمس احتياجات الفئات التي تحتاج إلى صوت يقف إلى جانبها.

في وزارة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم، يحضر صديق حسن فريني في المشهد من خلال اقترابه من القضايا الاجتماعية ومحاولاته تحريك أكثر من جهة لمعالجة آثار الحرب، خاصة ما يتصل بالفئات الأكثر احتياجاً، وكبار السن، والأسر المتضررة، والنساء، والأسر المنتجة.

ومن بين المواقف التي تكشف الجانب الإنساني في تجربته، اهتمامه بتأهيل دار الضو حجوج للمسنين، بالتعاون مع وزارة الداخلية، والسعي إلى حشد الجهود الرسمية والمجتمعية حتى تستعيد الدار وضعاً يليق بمن يقيمون فيها.

كنت حاضرة أستمع إلى حديثه عن الدار، وكان اللافت أن حديثه لم يكن عن مبنى يحتاج إلى الصيانة فحسب، وإنما عن أشخاص يرى أنهم يستحقون العناية والاحترام. وكان يكرر في حديثه عن كبار السن عبارة بسيطة وعميقة: «آباؤنا».

كلمتان تختصران رؤية مختلفة للعمل الاجتماعي.

فحين يتحول المسن من مجرد مستفيد من خدمة إلى «أب»، تتغير زاوية النظر إلى احتياجاته، وتصبح الرعاية مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون واجباً وظيفياً.

وفي هذا السياق، جاء التحرك نحو تأهيل دار الضو حجوج بالتعاون مع وزارة الداخلية، في محاولة لتوفير بيئة أفضل وأكثر ملاءمة، خاصة في ظل الظروف التي فرضتها الحرب وما تركته من ضغوط على المؤسسات الاجتماعية.

واللافت أيضاً أن فريني لم يقف عند حدود الدور الحكومي، بل سعى إلى إشراك رجال الأعمال والمهندسين وأصحاب الاختصاص في هذا العمل. ومن خلال حديثه، كانت هناك وعود بالمساهمة، وأفكار تتعلق بأعمال التأهيل، ومساعٍ لتحويل المبادرة إلى جهد تتشارك فيه مؤسسات الدولة والمجتمع.

وهنا تكمن قيمة الفكرة.

فالقضايا الاجتماعية الكبيرة لا يمكن أن تتحملها وزارة واحدة وحدها، ولا تستطيع الحكومة بمفردها معالجة كل آثار الحرب. لكن حين تلتقي المؤسسات الرسمية مع القطاع الخاص وأصحاب الخبرات، يمكن لمبادرة محدودة أن تتحول إلى مشروع له أثر أوسع.

دار الضو حجوج ليست مجرد مبنى يحتاج إلى إعادة تأهيل؛ إنها مساحة تحمل معنى الوفاء لمن تقدم بهم العمر، وتختبر قدرة المجتمع على رد الجميل لمن أمضوا سنوات طويلة من حياتهم.

ولذلك كان حديث فريني عن الدار حاملاً لبشريات التأهيل، ومحاولة لإيصال رسالة بأن هذا المكان لن يظل خارج دائرة الاهتمام.

وقيمة هذه البشريات ستكتمل عندما تتحول الوعود إلى أعمال ملموسة، وعندما ترى الدار واقعاً جديداً يوازي ما طُرح من أفكار وتعهدات.

وفي تقديري، فإن أجمل ما في هذه المبادرة أنها أعادت تسليط الضوء على فئة قد لا تكون قادرة على التعبير عن احتياجاتها بالطريقة التي تفعلها الفئات الأخرى.

كبار السن ليسوا رقماً في سجلات الرعاية الاجتماعية، ولا عبئاً على المجتمع؛ إنهم ذاكرة أسر، وتجارب أجيال، وأشخاص يحتاجون إلى أن تُصان كرامتهم في مرحلة من العمر يصبح فيها الاهتمام أكثر قيمة.

ومن هنا يمكن فهم عبارة فريني: «آباؤنا».

فهي ليست مجرد كلمة عابرة في حديث مسؤول، وإنما تعبير يحمل معنى الانتماء والمسؤولية والوفاء.

وربما لهذا جاء وصف «ملاك بدرجة وزير».

ليس المقصود أن الوزير فوق النقد أو أن الأداء يخلو من التحديات، وإنما أن بعض المواقف تكشف الإنسان خلف المنصب، وتُظهر كيف يمكن للمسؤول أن يتعامل مع الملفات الاجتماعية باعتبارها قضايا بشرية قبل أن تكون إجراءات حكومية.

وفي دار الضو حجوج، كان المشهد يتجاوز فكرة التأهيل الهندسي إلى معنى أوسع: أن تتضافر جهود الدولة ووزارة الداخلية ورجال الأعمال والمهندسين وأهل المبادرات من أجل أن يستعيد المكان عافيته، وأن يشعر من يقيمون فيه بأن هناك من يتذكرهم.

الحرب أخذت الكثير، لكنها كشفت أيضاً معدن المجتمع، وأظهرت أن الخير يمكن أن يبدأ من مبادرة صغيرة، أو كلمة صادقة، أو مسؤول يلفت الانتباه إلى قضية تستحق الوقوف عندها.

ويبقى التحدي الآن أن تمضي وعود التأهيل إلى نهايتها، وأن تتحول الكلمات إلى واقع، والمبادرات إلى عمل مستدام.

فالتنمية الاجتماعية لا تُقاس بعدد الاجتماعات، وإنما بما تتركه من أثر في حياة الناس.

وفي النهاية، ربما تختصر عبارة واحدة كل الحكاية:

آباؤنا.

هكذا ينظر صديق حسن فريني إلى كبار السن في دار الضو حجوج، وهكذا ينبغي أن ينظر إليهم المجتمع كله؛ باعتبارهم أصحاب حق في الرعاية والكرامة والاهتمام.

search